الفصل السادس من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

عنوان هذا الفصل: انتصار بدر ونداء الحياة
  

اختارت القوى المشركة المتعصبة المستبدة أن تواجه الإسلام بالعسف والقوة والتعذيب. فكان لزاما على أول دولة إسلامية في التاريخ أن تتسلح وتستعد للحرب، ثم أن تدخل الحرب وتثبت لأعدائها أنها وجدت لتبقى وليس لتزول في أول معركة.

هدفت الاستراتيجية العسكرية للدولة الإسلامية إلى زرع الهيبة في نفوس الطامعين المتربصين بها من زعماء قريش وغيرهم من القبائل العربية المجاورة. كما هدفت أيضا إلى فرض الإعتراف بها كقوة جديدة تهيمن على خط التجارة الرئيسي بين مكة المكرمة والشام. ولاشك أن البعد الإقتصادي لهذه الإستراتيجية كان مؤثرا للغاية، وخاصة في حسابات زعماء قريش الذين صادروا ممتلكات عدد كبير من المهاجرين المسلمين، والذين سبق لهم أن اعتمدوا خطة الحصار الإقتصادي الكامل للمسلمين وبني هاشم عامة أيام كان النبي صلى الله عليه وسلم مقيما في مكة.

تم تنفيذ هذه الإستراتيجية عبر عدد من الغزوات والسرايا. (الغزوة اسم يطلق على المعركة التي قادها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، أما المعركة التي قادها آخرون بتكليف من النبي صلى الله عليه وسلم فيطلق عليها اسم السرية). وكانت غزوة ودان التي قادها النبي في نهاية العام الهجري الأول أولى الحملات العسكرية للمسلمين. وصل جيش المسلمين في هذه الغزوة إلى منطقة الأبواء ووقع عهدا للهدنة والسلم مع قبيلة بني ضمرة، وعاد إلى المدينة دون قتال.

وتحركت بعد ذلك بأشهر قليلة سرية من ثمانين رجلا يقودها عبيدة بن الحارث بن المطلب، فقابلها عدد كبير من مشركي قريش في منطقة ماء بالحجاز. رمى سعد بن أبي وقاص بسهم وصفه المؤرخون أنه أول سهم رمي به في الإسلام، لكن الجيشين تفرقا من دون قتال. وفر من جيش قريش إلى جيش المسلمين رجلان مسلمان اغتنما الفرصة للتحرر من سيطرة قوى الشرك والتعصب: المقداد بن عمرو البهراني وعتبة بن غزوان بن جابر المازني.

ثم قاد حمزة بن عبد المطلب سرية أخرى من ثلاثين رجلا نحو منطقة تسمى سيف البحر، وواجهه على الساحل أبو جهل بن هشام ومعه ثلاثمائة شخص من قريش. لكن زعيما قبليا يحتفظ بصلات طيبة مع الطرفين اسمه مجدي بن عمرو الجهني تدخل بينهما فتفرق الجمعان دون قتال.

وقاد النبي غزوتين أخريين لم يكن فيهما قتال هما غزوة بواط وغزوة العشيرة، ووقع في الثانية عهد سلم وعدم اعتداء مع قبيلة بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة. وبعد عودته بحوالي عشرة أيام، أغار مقاتل قبلي يدعى كوز بن جابر الفهري على سرح المدينة، فقاد النبي جيشا لمطاردته لكنه لم يدركه. وسميت هذه الحملة بغزوة بدر الأولى.

لم تحصل أية صدامات حاسمة في هذه الغزوات والسرايا، لكن رسالتها كانت واضحة للجميع، وهي أن دولة المسلمين جاهزة للدفاع عن نفسها أمام كل خطر وقادرة على الوقوف في وجه قريش: القوة الرئيسية المعادية لها استراتيجيا.

وفي شهر رجب من العام الثاني للهجرة، الموافق لعام 625 للميلاد، بعث النبي سرية من ثمانية مقاتلين يقودهم عبد الله بن جحش بن رئاب الاسدي، وأعطاهم كتابا مختوما، وأمرهم بعدم فتحه إلا بعد مسيرة يومين باتجاه الجنوب. ويعتبر شهر رجب واحدا من أربعة أشهر يعتبرها العرب من الأشهر الحرم، أي الأشهر التي لا يدخلون فيها في قتال.

نفذت المجموعة وصية النبي صلى الله عليه وسلم، وعندما فتح قائدها الكتاب بعد مسيرة يومين وجد فيه تكليفا بالتوجه نحو نخلة، وهي مكان بين مكة والطائف، لترصد قريش وجمع الأخبار عن خططها وتحركاتها.

أذن قائد السرية لمن كان معه بالعودة إلى المدينة إن لم يجدوا في أنفسهم حماسا لتنفيذ المهمة، لكنهم كانوا مثله في الحماس، وبقوا معه جميعا. وفي منطقة نخلة التي وصلوها اعترضتهم قافلة تجارية من قوافل قريش فهاجموها، وقتلوا وحدا منها وأسروا اثنين وحملوا ما كان معهم الى المدينة.

ولما عادوا، اعترض النبي صلى الله عليه وسلم على فعلهم لأنه لم يأمرهم بقتال في الشهر الحرام. أما قريش فاغتنمت الفرصة وسلطت دعايتها ضد المسلمين تتهمهم بالقتال في الشهر الحرام، وتناسى زعماؤها المتعصبون ما فعلوه بالمسلمين لأكثر من عشر سنين، قتلوهم فيها وعذبوهم وطاردوهم في منفاهم في الحبشة وحاصروهم اقتصاديا واجتماعيا في شعب بني هاشم واضطروهم للهجرة خارج ديارهم وصادروا أموالهم وتآمروا على نبيهم ليقتلوه.

ونزل الوحي من السماء يوضح الرأي العادل والنهائي في هذه المسألة:

“يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَـئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون”. (البقرة: 217)

خاطبت الآية المسلمين تنفي أن يكون ما فعلته سرية عبد الله بن جحش هو أصل القضية، إنما الأصل بميزان الحق والعدل هو ما فعله طغاة قريش من اضطهاد للمؤمنين وكفر بالله ربهم، ومن إخراج المسلمين بالقوة من المسجد الحرام مع أنهم أولى الناس به، ومن ممارسة لكل ألوان الضغط والقمع من أجل أن يرتد المسلمون عن دينهم. واعتبر القرآن الكريم أن تهجير المسلمين من ديارهم ومصادرة حرياتهم الدينية واضطهادهم لتغيير دينهم هو العمل الشنيع حقا وهو أسوأ من القتل. وحذر القرآن الكريم المسلمين من أن يضعفوا ويتخلوا عن عقيدتهم تحت وطأة الظلم الممارس عليهم.

أزيح عن كاهل عبد الله بن جحش ومن كانوا معه في سريته كابوس كبير بعد نزول التوجيه القرآني في أمرهم، فجاؤوا إلى النبي يؤكدون ولاءهم ويتطلعون إلى فرصة أخرى لخدمة دينهم. فنزل الوحي من السماء يطمئنهم، ويذكرهم هم وسائر المؤمنين بأن مرضاة الله ورحمته أهم من كل شيء آخر على وجه الأرض:

“إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أُوْلَـئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم”. (البقرة: 218)

أدركت قريش من مجريات الأمور أن ميزان القوى قد تغير، وأن عليها الآن أن تستعد لحرب اقتصادية مثل التي شنتها هي على المسلمين في مكة، وأن تعترف بالدور المؤثر للدولة الإسلامية على طريق التجارة الرئيسي بين مكة والشام. لكن الإتجاه العام الذي سيطر على تخطيط القيادات القرشية هو اعتقادهم الراسخ بأنهم قادرون على محاصرة المسلمين وهزيمتهم.

وفي هذه الأجواء المتوترة سياسيا وعسكريا، وصلت الأخبار إلى المدينة بأن أبا سفيان بن حرب، وهو زعيم كبير من زعماء مشركي مكة، عائد من الشام على رأس قافلة تجارية ضخمة لقريش ومعه حوالي أربعين شخصا. ورأى المسلمون في المدينة أن التصدي لأبي سفيان وقافلته هو رد مشروع على ما مارسته قريش بحقهم من ظلم عقائدي وسياسي واقتصادي كبير.

مع ذلك لم يكن واضحا أن الحرب ستنشب بين الطرفين. لذلك فقد تخلف عدد من المسلمين في المدينة عن مرافقة الجيش الذي خرج بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم. وعندما وصلت الأخبار إلى أبي سفيان بتحركات المسلمين، بادر بطلب النجدة والإمدادات العسكرية من قريش، وأرسل لهذا الغرض مبعوثا منه يدعى  ضمضم بن عمرو.

وصل ضمضم إلى مكة في وقت قياسي، وهناك جمع الناس حوله واستثارهم وخطب فيهم يطلب النجدة لأبي سفيان ومن معه من الرجال وما معه من البضائع والأموال. وجد النداء صدى لدى كل من سمعه، وتحركت عجلة الحرب بسرعة، وبدأت حملة تجهيز الجيش، وتحمست الأغلبية الساحقة للمشاركة في الحملة، بمن في ذلك زعماء قريش الكبار.

أما أبو سفيان، صاحب الحنكة العسكرية والمهارات القيادية، فقد قام بالتحريات الضرورية لمعرفة خط تحرك الجيش المسلم، واستطاع تجنبه، منتهجا طريقا آخر غير معهود، محاذيا لساحل البحر الأحمر. وبهذه الإجراءات، نجت قافلة قريش من الخطر واتجهت آمنة نحو مكة. عند ذلك أرسل أبو سفيان إلى قادة الجيش القرشي القادم للدعم والمساندة يزف إليهم الأخبار السارة، ويطلب منهم العودة إلى ديارهم بعد أن تحقق الهدف الذي خرجوا من أجله.

وصل الخبر من أبي سفيان إلى زعماء الجيش القرشي وهم على مشارف منطقة بدر، وهي مركز تقام فيه مواسم تجارية نشطة ويزوره العرب على مدار السنة، ويقع على بعد حوالي مائة وستين كيلومترا جنوب المدينة المنورة. ولما وصلت رسالة أبو سفيان استحسنها عدد من كبار القادة القرشيين ومالوا إلى خيار العودة إلى مكة. لكن أبا جهل بن هشام رفض فكرة العودة جملة وتفصيلا، وأصر على أن يستمر الجيش في خطته، وقال:  والله لا نرجع حتى نرد بدرا فنقيم عليه ثلاثا، فننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها”. (1)

كان أبو جهلا واضحا في ما يريده من أهداف. إنه يريد أن يثبت هيبة قريش ومخافتها في قلوب العرب، فلا يشكن أحد في هيمنتها على المنطقة وفي أنها القوة المؤثرة الحاسمة، وكان يريد أن يرسل رسالة تحذير وتخويف شديدة إلى الدولة الإسلامية في المدينة، وإلى كل القبائل التي تدخل معها في معاهدات وتحالفات، مبينا أن جيش قريش قادر على هزيمة المسلمين ودحر من يتحالف معهم.

اعترض بعض القادة بشكل عملي على موقف أبي جهل، وكان ممن تبنى الرؤية التي اعتبرت نجاة قافلة أبي سفيان مبررا للعودة والتخلي عن الخيار العسكري الأخنس بن شريق، من زعماء قبيلة بني زهرة، وقد نجح في إقناع عدد من أبناء قبيلته بالإنسحاب والعودة إلى مكة. أما قبيلة بني عدي بن كعب فإنها لم تخرج في الحملة من البداية، وهي أيضا من القبائل المهمة في مكة.

لكن موقف بني زهرة وبني عدي بن كعب بقي موقف الأقلية، بينما مالت الأغلبية، وهم في مجموعهم حوالي ألف مقاتل، إلى رأي أبي جهل. هكذا حسمت قريش خيارها وقررت استعراض قوتها العسكرية في وجه الدولة الإسلامية الوليدة في المدينة المنورة، ولو أنها جنحت للسلم لما حصلت معركة بدر من الأساس.

مضى الجيش القرشي في تنفيذ مهمته التي حددها أبو جهل، ونزل في معسكر ببدر، في بطن واد قريب من نقطة الماء الرئيسية في المنطقة.

الجيش القرشي يصر على الحرب ويبدؤها

أدت هذه التطورات المتسارعة إلى أن يصبح المسلمون في مواجهة حرب كبرى يشنها الجيش القرشي، ولم يكن هذا الأمر في تخطيط النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج في عدد من أصحابه للسيطرة على الطريق التجاري الذي مرت منه قافلة أبي سفيان. ولأن مثل هذه الحرب الشاملة لم تكن في الحسبان فإن عددا من الصحابة لم يخرجوا في جيش النبي صلى الله عليه وسلم من الأساس.

كان عدد من خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم  في هذه الحملة، في الثامن من رمضان للعام الثاني من الهجرة، ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا (314)، ثلاثة وثمانون منهم من المهاجرين، وواحد وستون منهم من الأنصار من قبيلة الأوس، ومائة وسبعون أنصاريا آخرين من قبيلة الخزرج.

وصل الجيش إلى واد يسمى ذفران، قبل منطقة بدر بمسافة، وكان للمسلمين سبعون بعيرا يتعاقبون عليها، كل ثلاثة مقاتلين يتعاقبون على بعير، يركب الواحد منهم مسافة ثم يمشي راجلا مسافة أخرى ليتيح الفرصة لزميلين له للركوب. وكان هذا الأمر يسري على النبي الذي لم يكن يحب أن يتميز على أصحابه ولا أن يكون فيهم بمقام السيد المتكبر، فتعاقب على بعير واحد مع علي بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي.

كان النبي عليه الصلاة والسلام مثل واحد من أصحابه لا يتكبر عليهم ولا يتسيد، ويتحمل من المشاق والصعوبات ما يتحملون. وقد اقتضت حكمة الله التي لا يحيط بكل أبعادها إلا هو عز وجل، اقتضت فيما يظهر للباحث المجتهد أن ينتصر نبي الإسلام وتنتشر دعوته في العالم من خلال عمله بالقوانين الطبيعية والسنن التاريخية التي قام عليها الكون وانبنت عليها حياة البشر. كان محمد بن عبد الله بشرا رسولا، ولم يكن ملاكا. لذلك اضطهد وحوصر وأوذي وكذب وتآمر خصومه لقتله وأخرج مع أتباعه من مكة. وها هو اليوم يواجه معركة كبيرة أخرى يمكن أن تقضي على الدولة الإسلامية بعد عامين فقط من قيامها.

لما علم النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا حشدت جيشا كبيرا قوامه ألف رجل، وأن الجيش يضم كبار قادة قريش، أمثال عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو جهل بن هشام، وأمية بن خلف، وحكيم بن حزام، وسهيل بن عمرو، والنضر بن الحارث وآخرين، وأدرك أن الحرب غدت على الأبواب، وأن الجندي الواحد من أنصاره سيكون في مواجهة ثلاثة مقاتلين من جيش المشركين، التفت إلى أتباعه من المهاجرين والأنصار يخبرهم بالتطورات ويستشيرهم ويستطلع مدى استعدادهم للتضحية معه والصبر على الإمتحان الذي يواجههم. وهكذا الدعوات الكبرى كلها دائما، تحتاج لأنصار مخلصين يحملونها بحماس وشجاعة وصدق ويساهمون مع الأنبياء والمصلحين في نشر مبادئها في العالم.

سبق أبو بكر الصديق إلى الإجابة، فأكد أنه مستعد للمضي مع النبي وتأييده في المواجهة المرتقبة دون خوف أو تردد. ثم تكلم عمر بن الخطاب فعبر عن نفس الموقف. وتحدث بعد ذلك المقداد بن عمرو، وهو أيضا من المهاجرين، فبين أن المسلمين مستعدون لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم والقتال معه مهما كانت التكاليف. وبقي النبي صلى الله عليه وسلم ينتظر أن يسمع من قادة الأنصار، فهم كانوا أكثر من ثلثي جيشه، وقد جاءت الفرصة الآن لامتحانهم في مدى التزامهم بالبيعة التي بايعوا عليها النبي قبل هجرته إلى المدينة.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: أشيروا علي أيها الناس. فقال له سعد بن معاذ رضي الله عنه، وهو من أبرز قادة الأنصار: “والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل. قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة. فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله يريك ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله”. (2)

اطمأن النبي إلى سلامة الموقف الداخلي وتماسك الصف المسلم واستعداده للقتال والتضحية من أجل دينه ومن أجل حرية الإعتقاد والعبادة. وتحرك الجيش مرة أخرى جنوبا، ونزل قريبا من منطقة بدر، المكان الذي سيشهد بعد ساعات قليلة وقائع حرب حاسمة في تاريخ الإسلام.

اقترب الجيشان من ساحة الحرب في بدر. اختار النبي صلى الله عليه وسلم موقعا لجيشه بعيدا عن نقطة الماء، لكن المقداد بن عمرو، أحد المقاتلين ذوي الخبرة من المهاجرين اقترح موقعا آخر أقرب إلى الماء فقبله منه النبي صلى الله عليه وسلم، وتحرك بالجيش إلى المكان الجديد. هناك بنى المسلمون حوضا من الماء لشرابهم، وأصبحوا يتحكمون في مصدر الماء الوحيد في ساحة الحرب. وأقبل بعض جنود الجيش القرشي يطلبون الماء، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابهم بتمكينهم منه.

قرر قادة جيش قريش أن يستطلعوا الأخبار عن جيش النبي، فبعثوا واحدا من رجالهم، عمير بن وهب الجمحي، وطلبوا منه أن يحاول معرفة عدد المقاتلين المسلمين. فركب فرسه وجال بمعسكر المسلمين ثم قال لقومه” ثلاث مائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون. ولكن أمهلوني حتى أنظر أللقوم كمين أم مدد؟ فضرب في الوادي حتى أبعد فلم ير شيئا. فرجع إليهم فقال: ما وجدت شيئا، ولكني قد رأيت يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا. نواضح يثرب تحمل الموت الناقع. قوم ليس معهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم. والله ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجلا منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم فما خير العيش بعد ذلك؟ فروا رأيكم”. (3)

كان يفترض بهذا المقاتل القرشي أن يطمئن عندما تأكد أن عدد المقاتلين المسلمين ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصون، لكن الخوف والشك تسربا إلى قلبه، وبدا له أن المسلم الواحد لن يموت حتى يقتل واحدا من خصومه على الأقل، وهذا يعني خسارة فادحة لجيش قريش حتى وإن كان آل النصر النهائي له.

أدرك حزيم بن حكيم، أحد القادة البارزين في جيش قريش، وجاهة ما قاله عمير بن وهب فتبنى وجهة نظره ومضى إلى عتبة بن ربيعة فحدثه حديثا مؤثرا. قال له إنه كبير قريش وسيدها والمطاع فيها، وأنه إن أخذ موقفا حاسما ورجع بالجيش دون قتال فسيبقى يذكر في تاريخها بخير مدى الدهر. وكان جواب عتبة أنه يوافق على الإقتراح إن قبل به أبو جهل.

وبينما ساد التردد والإضطراب معسكر المشركين، كان الموقف في المعسكر الإسلامي مختلفا تماما. الجنود كلهم مع قائدهم على موقف واحد، موقف مبني على الإيمان برسالة الإسلام والإستعداد للتضحية من أجلها ومن أجل العيش بحرية وكرامة. وكانوا منشغلين بالخطط التنفيذية للحرب، بما في ذلك تأمين قائدهم، خاتم النبيين محمد عليه الصلاة والسلام. قال سعد بن معاذ: “يا نبي الله، ألا نبني لك عريشا تكون فيه، ونكون عند ركائبك، ثم نلقى عدونا. فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا. وإن كانت الأخرى، جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم، يناصحونك ويجاهدون معك. فأثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير، ثم بني لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريش فكان فيه”. (4)

وقف النبي صلى الله عليه وسلم يتفقد جيشه وبيده قدح يعدل به صفوف مقاتليه. فمر بمقاتل من الأنصار خارج الصف يدعى سواد، فمسه بالقدح في بطنه وقال له استو يا سواد. لكن الرجل فاجأ النبي بجوابه، وقال: “يا رسول الله أوجعتني، وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني. (أي فاقتص لي من نفسك). فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال: استقد. فاعتنقه فقبل بطنه. فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟ قال: يا رسول الله، حضر ما ترى، فأردت أن يكون آخر العهد بك أن يمس جلدي جلدك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقاله له”. (5)

الحرب توشك أن تندلع، ولكن مازالت هناك فرصة لتجنبها إذا قبل أبو جهل باقتراح حكيم بن حزام. كان عتبة بن ربيعة قد تبنى هذا الخيار، وخطب في الجيش قائلا: “يا معشر قريش، إنكم والله ما تصنعون بأن تلقوا محمدا وأصحابه شيئا. والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه رجل يكره النظر إليه، قتل ابن عمه أو ابن خاله، أو رجلا من عشيرته. فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب. فإن أصابوه فذاك الذي أردتم، وإن كان غير ذلك ألفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون”. (6)

لم يبق إلا أن يوافق أبو جهل على هذا الرأي فينسحب جيش قريش ويتم تفادي الحرب. لكن أبا جهل كان على نهج فرعون في الإستبداد والعناد والمكابرة، مصمما على المنازلة، متحمسا للحرب، فسخر من رأي عتبة واتهمه بالجبن. أغلب الظن أنه قدر أن حرب بدر ستكون الفصل الختامي من مسيرة محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته، وأن الجيش القرشي الذي يبلغ تعداده ثلاث أضعاف عدد الجيش المسلم سيحسم الأمر في وقت قياسي، وسيخمد وإلى الأبد دعوة الإسلام التي حاربها أبو جهل في مكة دون هوادة.

ولقطع الطريق على المترددين في جيش قريش، بعث أبو جهل إلى عامر بن الحضرمي، شقيق عمروبن الحضرمي الذي قتل في سرية عبد الله بن جحش يذكره بثأر أخيه ويخوفه من ضياع فرصة الحرب وأخذ الثأر من المسلمين، فقام عامر يصرخ في صفوف الجيش يطلب الثأر لدم أخيه، فتوقف صوت العقل والحكمة، وانتصر منطق الشر، وفاز أبو جهل في نهاية المطاف، وكان له ما أراد: الحرب مع المسلمين.

وهكذا اندلعت معركة بدر بإصرار قادة قريش المشركين. هجم الأسود بن عبد الأسد المخزومي من جيش قريش على حوض الماء الذي بناه المسلمون، وكان رجلا شرسا سيئ الخلق، فتصدى له حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، عم النبي صلى الله عليه وسلم، فتقاتلا بالسيف، فغلب حمزة وقتل خصمه.

ثم تقدم عتبة بن ربيعة، الزعيم القرشي الذي حاول منع الحرب لكنه فشل، وها هو الآن في مقدمة المقاتلين. تقدم هو وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فتوسط الساحة ودعا إلى المبارزة، فتطوع لمواجهتهم ثلاثة شبان من الأنصار. لكن عتبة وابنه وأخاه رفضوا مبارزتهم، ونادى واحد منهم: يا محمد أخرج إلينا أكفاءنا من قومنا، أي من قريش.

استجاب النبي صلى الله عليه وسلم لطلب المقاتلين القرشيين، وأمر عبيدة بن الحارث، وحمزة بن عبد المطلب، وعليا بن أبي طالب، رضي الله عنهم جميعا، بالتقدم للمبارزة. فلما رآهم عتبة ومن معه قالوا نعم، أكفاء كرام.

وانطلقت المبارزة بين هؤلاء الرجال بالسيوف. بارز حمزة شيبة بن ربيعة وسرعان ما انتصر عليه وقتله. وبارز علي الوليد بن عتبة فسرعان ما انتصر عليه وقتله. أما عتبة وعبيدة فقد أصاب كل منهما الآخر إصابات بليغة. وناصر حمزة وعليا صاحبهما فقتل عتبة، وعاد أبو عبيدة جريحا  ثم لم يلبث أن نال الشهادة.

لو أن أغلبية الجيش القرشي قبلت رأي عتبة بن ربيعة لما كانت الحرب وقعت من الأساس ولما قتل عتبة. ولكن قريشا تبنت رأي أبي جهل واختارت الحرب. وعندما قتل فرسانها الثلاثة في المبارزة لم تغير رأيها ولم تتراجع، وإنما تقدم الجيش كله للساحة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد أوصى جيشه بأن لا يتقدم ليلتحم بالعدو إلا بأمره، وأوصاهم بأن يواجهوا العدو بالنبال إن زحف تجاههم.

كان النبي صلى الله عليه وسلم يصدر توجيهاته العسكرية للجنود المسلمين من العريش، أو من مركز القيادة المؤقت، الذي بني له. وكان إلى جانبه صديقه أبو بكر الصديق.

الدعاء.. والإنتصار الكبير

لا يتوجه المسلم بدعائه في وقت الشدة أو في وقت اليسر إلا الى الله وحده. هذا هو عهد المسلم الذي يقرأه يوميا في سورة الفاتحة، عندما يقول: ” إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ”. (الفاتحة: 5)

ويحث الإسلام جميع الناس على التوجه إلى ربهم وطلب حاجاتهم منه لأنه قريب منهم وسميع مجيب، كما تدل هذه الآية الكريمة: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”. (البقرة: 186)

كما يبين القرآن الكريم أن الدعاء من وجوه العبادة لله تعالى، ويحذر الذين يدعون غير ربهم، لأن كل العبادات في الإسلام يجب أن تكون للله تعالى وحده من دون شريك. قال عز وجل: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين”. (غافر: 60)

وقد ورد تأكيد لهذا المعنى في حديث نبوي شريف: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ “إِنَّ الدُّعَاء هُوَ الْعِبَادَة”. ثُمَّ قَرَأَ ” اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّم دَاخِرِينَ”. (7)

وبهذا الهدي الواضح في أمر الدعاء تقيد أنبياء الله الكرام في دعائهم أوقات الشدة وأوقات الرخاء. يونس عليه السلام دعا ربه من بطن الحوت:

“لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ”. (الأنبياء: 87)

ونوح عليه السلام نادى لما كذبه قومه وسخروا منه ويئس منهم:

“فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ”. (القمر: 9-10)

وعلى هذا المنوال دعت امرأة فرعون، وهي مؤمنة صالحة أثنى عليها القرآن الكريم: “رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ”. (التحريم: 11)

هذا هدي الإسلام في أمر الدعاء، وهو أمر متصل بتوحيد الله عز وجل التوحيد الصحيح الصافي من كل شبهة. وبه عمل النبي صلى الله عليه وسلم وهو يواجه خطر الجيش القرشي في تلك اللحظات الحاسمة من تاريخ الإسلام يوم بدر. فبعد أن أحكم تنظيم صفوف جيشه، دخل عريشه وبدأ يدعو ربه، ويلح في الدعاء، يطلب منه نصره الذي وعده به، ويقول فيما يقول: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، حتى أن أبا بكر أشفق عليه وقال: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك. (8)

هجم الجيش القرشي على المسلمين والتحم المقاتلون بعضهم ببعض، وبعد وقت قصير، انجلى غبار تلك المعركة التاريخية، وظهرت نتيجتها: لقد تمكنت الأقلية المؤمنة من إلحاق هزيمة ساحقة بالأغلبية المشركة المعتدية.

تبخرت حسابات الجيش الزاحف من مكة دفاعا عن الشرك والإستبداد، فقتل سبعون من رجاله، فيهم عدد من أشهر زعماء قريش ومقاتليها ذوي الخبرة والشجاعة، وأسر منهم ستة وستون. ولم يستشهد من جيش النبي صلى الله عليه وسلم إلا أربعة عشر مسلما.

كان من قتلى قريش أمية بن خلف، أحد المتورطين في سياسة التعذيب التي سلطت على المسلمين في السنوات الأولى للدعوة في مكة المكرمة، وهو الذي اشتهر بلالا رضي الله عنه، مؤذن الرسول صلى الله عليه وسلم. وقتل أبو جهل، أبرز قادة الجيش القرشي وأكثرهم عداوة للإسلام، وهو الذي كان أشدهم حماسا لشن الحرب على المسلمين.

أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بدفن قتلى المشركين في مكان اسمه القليب بساحة المعركة، وكان من بينهم  عتبة بن ربيعة. التفت النبي إلى واحد من جنوده المسلمين، فإذا هو حزين متألم. إنه أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة. سأل النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه عن أثر ما جرى لأبيه في نفسه، فأجابه: “كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا، فكنت أرجو أن يهديه ذلك إلى الإسلام، فلما رأيت ما أصابه، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا”. (9)

ثم توجه النبي صلى الله عليه وسلم بالخطاب إلى سكان تلك القبور، يناديهم بأسمائهم، عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، وأبو جهل بن هشام، ومن قتل معهم، ويقول لهم: يا أهل القليب، بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس، وقتلتموني ونصرني الناس”. (10) ثم قال: هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقا. فقال المسلمون: يا رسول الله، أتنادي قوما قد جيفوا؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون أن يجيبوني”. (11)

وصل خبر الإنتصار الكبير إلى أهل المدينة ففرحوا به، وإن كان قد حدث عندهم ما أحزنهم وأحزن النبي صلى الله عليه وسلم. لقد وصلهم الخبر وهم يفرغون من دفن السيدة رقية رضي الله عنها، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت زوجة لعثمان بن عفان رضي الله عنه. رحلت الفقيدة الغالية في شبابها، وبقيت ذكراها حية في النفوس.

وشاع خبر النصر العظيم الذي حققه المسلمون في أرجاء الجزيرة العربية، ينبه كل ذي حكمة وبصيرة أن تاريخ المنطقة تعاد كتابته بتضحيات النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المؤمنين.

عاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة وأوصى أصحابه أن يعاملوا الأسرى بإحسان. وكان من بينهم أبو عزيز بن عمير بن هاشم، شقيق مصعب بن عمير رضي الله عنه، السفير الناجح الذي وطد أركان الإسلام في المدينة قبل هجرة النبي إليها. طمع الأسير في أن ينحاز له أخوه ضد المسلمين، وضد المسلم الذي كان يحرسه كي لا يهرب، لكن مصعبا أجابه بلغة لا تحتمل التأويل: إنه أخي دونك، يقصد أن المسلم الذي كان يحرس أبا عزيز بن عمير هو الأخ الحقيقي له. هذا أخوه في الفكرة والعقيدة والمبادئ التي تؤمن بالله والعدالة وكرامة الإنسان، وقد أصبحت هذه الرابطة مقدمة لدى المؤمنين على الروابط العائلية.

ووصلت أخبار المعركة إلى مكة بطبيعة الحال.  وصل أول مبعوث من الجيش المنهزم إلى مكة وحدث أهلها بما جرى وعدد الناس أسماء القتلى فما صدقوا، حتى أن صفوان بن أمية، وهو أحد القادة الذين لم يشاركوا في الحرب، شك في السلامة العقلية للرسول وقال للحاضرين: “والله إن يعقل هذا فاسألوه عني. فقالوا: ما فعل صفوان بن أمية؟ قال: هو ذاك جالسا في الحجر، وقد والله رأيت أباه وأخاه حين قتلا”. (12) ولم يحتمل أبو لهب صدمة الخبر فمات بعد سبعة أيام. وبكت الكثير من بيوت قريش على قتلاها في بدر، وما كان أحد منهم يتوقع ما حصل.

ثم صدر الأمر من زعمائهم: لا تفعلوا، (أي لا تنوحوا على القتلى) فيبلغ (ذلك) محمدا وأصحابه فيشمتوا بكم، ولا تبعثوا في أسراكم حتى تستأنسوا بهم، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه في الفداء (13)، أي حتى لا يطلب المسلمون فدية مالية كبيرة للأسرى.

وبدأت عملية فداء الأسرى بعد أيام. سألت أم مصعب بن عمير عن أعلى فدية دفعت لأسير قرشي فقيل لها: أربعة آلاف درهم. فأرسلت مبلغا مماثلا تفتدي بها ابنها أبا عزيز بن عمير. أما أبو سفيان الذي قتل له ابنه حنظلة في الحرب وأسر ابن آخر له هو عمرو، فقد رفض دفع الدية، وقال إنه لن يدفع الدم والمال معا للمسلمين. ثم تربص فترة من الزمن، حتى عثر على شيخ مسلم من قبيلة بني عمرو بن عوف، اسمه سعد بن النعمان، جاء إلى مكة معتمرا وما كان يظن أن يلقى من أهلها شرا، فاعتقله وحبسه، وتعهد ألا يطلق سراحه إلا إذا فك المسلمون أسر ابنه.

وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفد من قبيلة بني عمرو بن عوف يطلبون منه أن يعطيهم ابن أبي سفيان الأسير ليستعيدوا به حرية صديقهم المسلم سعد بن النعمان فاستجاب لهم النبي صلى الله عليه وسلم وقبل طلبهم، وعندئذ أطلق أبو سفيان سراح سعد.

وكان من بين الأسرى أيضا أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس، صهر النبي صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب. اشتهر أبو العاص بأمانته وخبراته العالية في التجارة، وكان ابن أخت أم المؤمنين خديجة بن خويلد. فلما طلب يد زينب وجد القبول من خديجة ومن النبي صلى الله عليه وسلم. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم صهر آخر هو عتبة بن أبي جهل وقد زوجه ابنته رقية. ثم لما نزل الوحي وظهرت دعوة الإسلام، كان مما تجلت به عداوة قريش للدين الجديد أن وفدا منهم وفد منهم مضى إلى عتبة وأبي العاص وضغطوا عليهما لتطليق رقية وزينب، وعرضوا على كل واحد منهما أن يزوجوه بالفتاة التي يحب.

أما عتبة بن أبي لهب فأبدى استعداده لتطليق بنت النبي إذا زوجوه بنت أبان بن سعيد بن العاص أو بنت سعيد بن العاص. فلما زوجوه الثانية طلق بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي رقية رضي الله عنها، التي تزوجها عثمان بن عفان بعد ذلك وماتت أيام غزوة بدر.

وأما أبو العاص فقال لقريش: لا والله، إني لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش. فبقيت زينب مع زوجها، هي على دين الإسلام وهو على الشرك، واستمر هذا الوضع حتى بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، إلى أن كانت غزوة بدر التي أسر فيها أبو العاص.

ولما أرسلت العائلات القرشية أموالا تفدي بها أسراها، “بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها. فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة، وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا. فقالوا: نعم يا رسول الله. فأطلقوه وردوا عليها الذي لها”. (14)

يقول العرب: من أجل عين ألف عين تكرم. والأمر هنا متصل ببنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبنت السيدة العظيمة التي نصرت الإسلام أيما نصر، خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. ومن الصعب أن يتجاهل الباحث في هذا المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أصحابه بإعفاء أبي العاص من الأسر، وإنما اقترح عليهم ذلك، بصيغة “إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا”. ولو قالوا له لا لما لامهم، فإنه هو من علمهم قول الحق في كل حال.

وإنما أجابوه ووافقوه لوجاهة الطلب، ولأن للسيدة خديجة دينا في عنق كل واحد منهم وفي عنق كل مسلم إلى يوم القيامة، لا يقدر بألف دينار، ولا بألف مليون دينار. رضي الله عنها وأعلى مقامها في عليين، مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

عاد أبو العاص إلى مكة، ويبدو أنه وعد النبي بأن يسهل هجرة زينب رضي الله عنها إلى المدينة. وبالفعل، أوفى أبو العاص بوعده، وجهز زوجته للهجرة، ثم جلب لها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا عليه هودج ركبت فيه، وقادها متجها إلى المدينة، يحميها بقوسه. لكن بعض المقاتلين القرشيين لحقوا بالركب في مكان يسمى ذي طوى، غير بعيد من مكة المكرمة، وروعوا السيدة زينب، حتى جاء في بعض الروايات أنها كانت حاملا وسقط حملها في ذلك الإعتداء. أما نسيبها، كنانة بن الربيع، فقد وقف موقف الرجال الكرام: نثر كنانته وأقسم أن يرمي بسهم كل من يدنو من زينب، فتراجع المعتدون عنه قليلا، وبقيت الأجواء متوترة.

ولحق أبو سفيان بن حرب بنفسه بالهودج في جمع من رجال قريش، فخاطب كنانة بن الربيع قائلا: “إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك عن ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن. ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثؤرة، (أي من ثأر مطلوب منها)، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها (بمعنى سر بها) سرا، وألحقها بأبيها”. (15)

قبل كنانة بن الربيع منطق أبي سفيان واستجاب لاقتراحه، فعاد بزينب إلى مكة فمكثت فيها أياما حتى هدأت الضجة التي أحاطت بهجرتها الأولى. ثم خرج بها بعد ذلك ليلا فلم يعترض سبيلها أحد حتى وصلت إلى أبيها في المدينة المنورة.

ومما رواه ابن اسحاق في السيرة النبوية عن أخبار تلك الرحلة أيضا موقف لهند بنت عتبة زوجة أبي سفيان. قال ابن اسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، قال: حدثت عن زينب أنها قالت: بينا (بينما) أتجهز للحوق بأبي لقيتني هند بنت عتبة، فقالت: يا بنت محمد، الم بلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك؟ قالت: ما أردت ذلك. فقالت: أي ابنة عمي، لا تفعلي، إن كانت لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك، أو بمال تتبلغين به إلى أبيك، فإن عندي حاجتك، فلا تضطني (تستحي) فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال. قالت: (أي زينب) والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل. قالت: (أي زينب أيضا): ولكني خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك، وتجهزت”. (16)

وصلت زينب أخيرا إلى أبيها في المدينة المنورة، وانضمت إلى الأمة الإسلامية التي أختصها الله بفضل مناصرة خاتم أنبيائه وهو يبلغ العالم تعاليم التوحيد والعدل والحرية والخير ومكارم الأخلاق.

كانت تلك الأقلية التي غيرت وجه التاريخ تتعلم دائما من النبي صلى الله عليه وسلم ما تواجه به تحديات عصرها كجماعة، وما تواجه به تحديات الحياة لكل فرد من أفرادها. والمقصود هنا أن ما كان يجري في المدينة المنورة لم يكن في الأساس يوميات حركة سياسية جديدة تسعى لتغيير الأوضاع في الجزيرة العربية، وإنما يوميات مجموعة من المؤمنين الذين نفضوا الغبار عن تعاليم ابراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء السابقين عليهم السلام، وعملوا لتغيير الأوضاع الروحية والفكرية في العالم بأسره، تحت قيادة نبيهم وإمامهم، محمد صلى الله عليه وسلم.

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهم دائما بحقيقة الإسلام كمرجعية روحية وأخلاقية واجتماعية لحياة الفرد والجماعة. جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذات يوم: “يقول الله إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها. فإن عملها فاكتبوها بمثلها. وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة. وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة. فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة”. (17)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه مودة الجار وإكرام الضيف وترك قول السوء: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”. (18)

وكان النبي يوصي اصحابه بالصدق ويقول لهم: “إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا”. (19)

ومن كان يظن أن الحروب وتحديات السياسة قد شغلت النبي صلى الله عليه وسلم عن إبلاغ رسالة الله إلى الناس فهو واهم. لقد كان يذكر أصحابه دائما بما تستقيم به حياتهم كأفراد وجماعة، وهي تعاليم تتجاوز عصره إلى المسلمين وإلى عامة الناس في كل عصر. ها هو يوصي أصحابه بنصائح ذهبية أخرى: “إياكم والظن، (أي إياكم أن تتهموا الناس بالأدلة المبنية على الظن والشك) فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا”. (20)

وحذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه تحذيرا شديدا من الشرك وعقوق الوالدين وقول الزور، فقال يخاطبهم: “ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا بلى يا رسول الله. قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين. وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا (أي حتى قال الحضور من المسلمين) ليته سكت”. (21)

ونزلت من عند الله سورة من القرآن الكريم تصف الكثير من مجريات سورة بدر، وتؤكد للمسلمين أن الله أرسل ملائكته لتأيـيـدهم، وتبين لهم أن الإستجابة للإسلام تعادل الإستجابة لنداء الحياة، لأن الحياة البعيدة عن قيم الإسلام وأخلاقه النبيلة الكريمة ليست حياة حقيقية:

“يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُون. وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لاَ يَسْمَعُون. إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون. وَلَوْ عَلِمَ اللّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُون. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُون. وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب. وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ. وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ. يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم”. (سورة الأنفال: 20-29)

تلك إضاءات موجزة عن التربية الروحية والفكرية التي تلقاها المسلمون من القرآن الكريم ومن هدي النبي صلى الله عليه وسلم. أما المشركون في قريش، فقد كانت قلوبهم مسكونة بالرغبة في الثأر والإنتقام، وعقولهم مشغولة بالتآمر على الإسلام وأهله.

(1) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 190-191

(2) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 188

(3) ـ المصدر السابق. 193

(4) ـ المصدر السابق. ص 192

(5) ـ المصدر السابق. ص 195-196

(6) ـ المصدر السابق. ص 193

(7) ـ رواه الإمام أحمد بن حنبل، والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن أبي حاتم وابن جرير، وقال الترمذي عنه إنه حديث حسن صحيح. أورد هذا ابن كثير في تفسيره للآية الكريمة رقم 60 من سورة غافر.

(8) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 196

(9) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 205

(10) ـ المصدر السابق. ص 204

(11) ـ المصدر السابق.

(12) ـ المصدر السابق. ص 209

(13) ـ المصدر السابق. ص 210-211

(14) ـ المصدر السابق. ص 215

(15) ـ المصدر السابق. ص 216

(16) ـ المصدر السابق. ص 215

(17) ـ صحيح البخاري. الجزء الرابع. مصدر سابق. ص 297

(18) ـ المصدر السابق. ص 70-71

(19) ـ المصدر السابق. ص 65

(20) ـ المصدر السابق. ص 60

(21) ـ المصدر السابق. ص 94

 

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل السادس من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: