الفصل الحادي عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

                                عنوان هذا الفصل: صلح الحديبية وبيعة الرضوان

 

فشلت حملة قريش وحلفائها في غزوة الأحزاب في تحقيق أهدافها، وبدلا من أن تقود إلى إسقاط الدولة الإسلامية في المدينة، فإنها انتهت بتعزيز ثقة المسلمين بأنفسهم وقدرتهم على التصدي للأخطار المحدقة بهم. وقد عبر عن هذه النتيجة بوضوح قرار جريء اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم في نهاية السنة السادسة للهجرة بأداء زيارة إلى أحب بلاد الله الى الله، وأحبها الى نفسه: مكة المكرمة.

ست سنوات مضت على هجرته المفروضة، لكن مكة لم تغب أبدا عن خاطره، وقد غدت قبلة صلاته وصلاة المسلمين في عصره وفي كل عصر. في ربوعها وجبالها ووديانها ترعرع وتعرف إلى الدنيا، وفي غار بجبل من جبالها نزل عليه جبريل عليه السلام ينقل اليه وحي الله، ويعلمه بأنه الإنسان المختار المصطفى ليكون خاتم النبيين، المتمم لجهود الأنبياء الكرام من قبله، والمجدد لرسالة التوحيد والإيمان في العالم بأسره.

 

مكة في القلب

 

يقول عدد من الجغرافيين المسلمين أن مكة المكرمة هي مركز العالم وقلبه، وتظهر النظرة الأولى لخريطة العالم أن هذا القول ليس بعيدا عن الحقيقة. ومع أن هذه المدينة المقدسة التي أقيم فيها أول بيت يعبد فيه الله وحده لم تكن عاصمة امبراطورية مؤثرة في عصر بعثة النبي، فإن الوقائع أثبتت أن ما جرى فيها وحولها في الفترة من 570 الى 633 بعد الميلاد، غير مسار التاريخ البشري كله.

كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا معه مشتاقين هم أيضا الى مكة: فيها مرابع صباهم وأحلام شبابهم وشواهد سبقهم الى توحيد الله ودلائل نبلهم واستعدادهم للتضحية من أجل المبادئ النبيلة. وفيها الأهل والأقارب والأصدقاء الذين لم تكن قلوبهم قد أشرقت بعد بأنوار الإسلام.

لكن قرار النبي صلى الله عليه وسلم بالتوجه الى مكة لم يكن مبنيا على العاطفة والشوق الى مسقط رأسه، وإنما على اعتبارات استراتيجية متصلة بمجريات الحرب مع مشركي قريش. لم يجند النبي صلى الله عليه وسلم حملة عسكرية لدخول مكة وخوض جولة جديدة من جولات الحروب مع أعداء الإيمان والحرية، وإنما أعلن أن هدفه الأول والأخير هو أداء مناسك العمرة. ولاشك أن تأكيد حق المسلمين في عبادة الله وحده، وزيارة أول مسجد بني على وجه الأرض، يدخل في صميم استراتيجية الدولة الإسلامية التي كانت تكافح من أجل حرية الإعتقاد والعبادة وانتصار القيم الدينية.

وهكذا، ومع أن الهدف الذي أعلنه النبي لحملته مع أصحابه كان أداء مناسك العمرة، فإن السياق العام لمجريات الأحداث يجعله نقلة نوعية حاسمة في تاريخ الصراع بين معسكر الإيمان والحرية من جهة، ومعسكر الشرك والإستبداد من جهة أخرى.

توجه النبي صلى الله عليه وسلم الى مكة على رأس حملة قوامها سبعمائة من المهاجرين والأنصار ومن لبى دعوته من أهل البوادي المجاورة للمدينة، وساق معه الذبائح التي ينحرها الحجاج والمعتمرون في مكة، ولبس لباس الإحرام للعمرة ليطمئن الناس كافة الى أنه لا يقصد مكة محاربا وإنما يقصدها عابدا معظما لشعائر الله.

في الطريق الى المسجد الحرام، جاءت الأخبار الى النبي صلى الله عليه وسلم بأن قريشا جهزت جيشا للقتال، وأن زعماءها تعاهدوا بألا يسمحوا للمسلمين بدخول مكة، وأرسلوا بالفعل بعض طلائعهم العسكرية بقيادة خالد بن الوليد الى كراع الغميم، وهي منطقة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فعلق على صنيعهم بقوله: “يا ويح قريش! لقد أكلتهم الحرب. ماذا عليهم لو خلوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة. فما تظن قريش؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة، (اي صفحة العنق)”. (1)

ثم سلك النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه طريقا غير الطريق الذي خرجت إليها طلائع قريش، ووصل في نهايتها الى الحديبية، غير بعيد من مكة المكرمة، فأمر أصحابه بالنزول بها. وعندما جاءت الأخبار الى جيش قريش بوصول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى الحديبية عادوا سريعا يخشون أن يدخل المسلمون مكة عنوة، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد أعلن لأصحابه: لا تدعوني قريش اليوم الى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها. (2)

 

مقارنة مع كسرى وقيصر

 

في مقره بالحديبية استقبل النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من وسيط أو مندوب قرشي، واستقبل وفدا من خزاعة، وكان حديثه واحدا للجميع، وهو أنه لم يقدم الى مكة يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت معظما لحرمته. لكن زعماء قريش أصروا على موقفهم، وقالوا إنهم لن يسمحوا للنبي بدخول مكة عنوة وإن كان جاء لا يريد قتالا، لأن ذلك يسيء الى صورتهم ويضعف مهابتهم بين العرب.

كان من بين الوسطاء الذين سعوا بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش، عروة بن مسعود الثقفي. وقد أتاحت له هذه الوساطة أن يرى بعض مظاهر محبة المسلمين لنبيهم صلى الله عليه وسلم وتقديرهم وتبجليهم له، فكان مما قاله لقريش: يا معشر قريش، إني قد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في ملكه، والنجاشي في ملكه، وإني والله ما رأيت ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا فروا (أي فانظروا) رأيكم.(3)

لعل عروة بن مسعود كان يظن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه مثل علاقة حكام عصره بشعوبهم: علاقة تسلط وقوة ونفوذ، فلما رأى محبة أصحاب النبي للنبي وتعلقهم به، فوجئ بهذا النمط الفريد من العلاقة. ولو كان مؤمنا لعرف المزيد عن أسرار ذلك الحب، ولأدرك أنه من صميم إيمان مسلمي ذلك الجيل وكل الأجيال التي جاءت بعدهم. بل إن محبة المسلم لا تقتصر على نبي الإسلام وحده، وإنما تشمل إبراهيم وموسى وعيسى وسائر إخوانهم من الأنبياء والمرسلين.

ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم واحدا من أصحابه يدعى خراش ابن أمية الخزاعي، فأرسله الى مكة لمقابلة قادة قريش وابلاغ رسالة واضحة اليهم عن نوايا المسلمين. ومضى خراش في مهمته راكبا على جمل أعطاه له النبي صلى الله عليه وسلم، لكن عددا من القرشيين المشركين عقروا الجمل وكادوا يقتلون خراشا.

واستمر قادة قريش في سياسة الإستفزاز والتعنت، فبعثوا خمسين رجلا، وأمروهم أن يقتربوا من معسكر الرسول صلى الله عليه وسلم، لعلهم يقتلون أو يأسرون واحدا من أصحابه، لكن المسلمين تفطنوا لهم، وتمكنوا من أسرهم جميعا، وجاؤوا بهم الى النبي صلى الله عليه وسلم فعفا عنهم وأطلق سراحهم، رغم أنهم رموا المعسكر الإسلامي بالحجارة والنبل.

اقترح النبي صلى الله عليه وسلم عندئذ على عمر بن الخطاب أن يتوجه الى مكة حاملا منه رسالة الى قادة قريش، لكن عمرا اعتذر بسبب غياب السند القبلي الذي يمكن أن يحميه إن أرادت به قريش شرا، واقترح بدلا منه عثمان بن عفان. وبالفعل قبل عثمان المهمة وتوجه الى مكة ليبلغ زعماءها، وعلى رأسهم أبو سفيان بن حرب، أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت بنية الحرب، وأنه إنما جاء زائرا للبيت العتيق معظما لحرمته.

تمكن عثمان بن عفان من تأمين مجير له على مقتضى الأعراف القبلية السائدة، وهو أبان بن سعيد بن العاص، فدخل مكة آمنا، والتقى بقادتها، وأبلغهم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم. وعرض زعماء قريش على عثمان بن عفان أن يطوف بالبيت فرفض وأكد أنه لن يطوف إلا بعد أن يفعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. ثم رأت قريش أن تحتجز عثمان بن عفان عندها لبعض الوقت.

 

بيعة الرضوان واتفاق الصلح

 

وصل خبر احتجاز عثمان الى النبي صلى الله عليه وسلم مشوها، إذ نقل إليه أنه قتل، فاعتبر ذلك إعلان حرب على المسلمين، واستعد لمواجهة القرشيين، وطلب من أصحابه البيعة على أن يثبتوا ويصمدوا ولا يفروا من ساحة المعركة، فبايعوا جميعا إلا واحدا، وسميت تلك البيعة بيعة الرضوان، وأثنى القرآن الكريم على أهلها:

“لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا. ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما”. (الفتح: 18-19)

هذه شهادة عظيمة ما بعدها شهادة، وفوز عظيم ما في العالم فوز أكبر منه. وهل للإنسان، مهما كان اعتقاده ومكانه وزمانه، مطلب أعظم وأغلى من نيل رضوان الله؟ وهي أيضا حجة قاطعة في بيان مقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عند الأجيال اللاحقة من المسلمين: لقد زكاهم الله على رؤوس الأشهاد في أكثر من موضع، وهنا تزكية للذين شاركوا منهم في حملة الحديبية، وإعلان برضوان الله تعالى عليهم، وإنزال السكينة في قلوبهم، وتبشيرهم بفتح قريب. وما أدري كيف يسوغ مسلم لنفسه بعد ذلك أن يجرح في واحد من هؤلاء أو يتجرأ عليه بالتجريح والتنقيص، ولا كيف يستسيغ غير المسلم أن يعيبهم وقد كانوا أنصارا لله وجنودا لدعوة الإيمان والحرية، في مواجهة الشرك والظلم والطغيان.

اطمأن الرسول صلى الله عليه وسلم الى سلامة الجبهة الداخلية واستعداد أصحابه للدفاع عن أنفسهم، ثم جاءته الأخبار الصحيحة بأن عثمان بن عفان لم يقتل فزال شبح الحرب والمواجهة.

جاءت الخطوة التالية من قريش، فقد أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم واحدا من قادتها ذوي الخبرة والمكانة، هو سهيل بن عمرو، أخا بني عامر بن لؤي، وفوضته للوصول الى صلح مع المسلمين، شرطه الأساسي أن يعود النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى المدينة ولا يدخلوا مكة عامهم ذاك، حتى لا يشيع بين العرب أنه دخلها عنوة ورغما عن إرادة زعمائها.

التقى سهيل بن عمرو بالنبي صلى الله عليه وسلم، ودارت بينهم مفاوضات معمقة انتهت بالتوصل الى ما سمي في التاريخ الإسلامي بصلح الحديبية. وقبل أن يتفق الطرفان على صيغة مكتوبة للصلح، ظهرت بعض الإعتراضات والتحفظات في صفوف المسلمين الذين كانوا يودون دخول مكة قبل العودة إلى المدينة، وكان أشهر المعترضين بادئ الأمر عمر بن الخطاب.

جاء عمر إلى أبي بكر الصديق يجادله: “يا أبا بكر، أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال أبو بكر: يا عمر، الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا رسول الله ألست برسول الله؟ قال: بلى، قال: أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله ورسوله، لن أخالف أمره، ولن يضيعني”.(4)

لم يتأثر النبي صلى الله عليه وسلم باعتراض عمر بن الخطاب، وهذا غير مستغرب منه صلى الله عليه وسلم. كما أن حمية عمر ليست غريبة عنه، وهي تظهر في مواضع أخرى من تاريخ الإسلام، وتنطق بما كان في قلبه من حماس للإسلام وغيرة عليه واستعداد للتضحية في سبيله. وقد روي عنه أنه راجع نفسه لاحقا حول حدة اعتراضه على مشروع الصلح، وصلى وصام وأعتق العبيد وتصدق كثيرا مخافة أن يكون قد أغضب النبي صلى الله عليه وسلم باعتراضه، إلى أن اطمأنت نفسه إلى ما تضمنه الموقف من وجوه الخير.

أما موقف أبي بكر الصديق فقد جاء أيضا مطابقا لما نقله عنه المؤرخون في أكثر من مناسبة: إنه موقف الثقة الكاملة في النبي صلى الله عليه وسلم والتصديق الكلّي له. لقد صدقه عندما أخبره أن الوحي ينزل إليه من السماء، وصدقه عندما أخبر بحدث الإسراء والمعراج، فكيف لا يثق به إذا رأى الخير في مهادنة قريش والجنوح للسلم معها؟

مضى النبي صلى الله عليه وسلم قدما في إبرام ما اتفق عليه مع سفير قريش، فاختار ابن عمه عليا بن أبي طالب ليكتب نص اتفاق الصلح بينه وبين سهيل بن عمرو، وقال: “أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن أكتب: باسمك اللهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتب باسمك اللهم، فكتبها. ثم قال: أكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله سهيل بن عمرو. فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم اقاتلك، ولكن أكتب اسمك واسم أبيك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو، اصطلحا على وضع الحرب عن الناس عشر سنين يأمن فيهن الناس ويكف بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليه رده عليهم، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، وإن بيننا عيبة مكفوفة (أي صدور منطوية على ما فيها)، وأنه لا إسلال ولا إغلال (أي لا سرقة خفية ولا خيانة)، وأنه من أحب أن يدخل في عقد محمد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل فيه.

وأنك ترجع عنا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنك فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا، معك سلاح الراكب، السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها”.

وفي هذا السياق تواثبت خزاعة فقالوا: نحن في عقد محمد وعهده، وتواثبت بنو بكر، فقالوا: نحن في عقد قريش وعهدهم”. (5)

شهدت على الصلح شخصيات بارزة من المسلمين: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص ومحمود بن مسلمة، وعلي بن أبي طالب كاتب الإتفاق. وشهد من المشركين مكرز بن حفص.

 

امتحان صعب للمسلمين

 

شق على المسلمين كثيرا ما أوجبه  اتفاق الصلح عليهم من العودة إلى المدينة من دون دخول مكة والطواف بالكعبة، وشق عليهم أيضا أن يلزمهم الإتفاق بإعادة من يأتيهم من قريش بغير إذن وليه إلى قريش، وأحس بعضهم بمرارة كبيرة بسبب هذه التنازلات.

هذه المرارة التي نتجت عن تقييم سريع ومنفعل لبنود المفاوضات لدى بعض المسلمين الذين بايعوا بيعة الرضوان، كادت أن تنسي بعضهم ضخامة الإنجاز الكبير الذي تحقق لهم وللجزيرة العربية كلها: عشر سنوات من الهدنة والسلام، ومن حرية الدعوة للإسلام إذن، وموافقة على السماح للمسلمين بدخول مكة في العام التالي، واعتراف رسمي من قريش بأن الوجود الإسلامي لم يعد حدثا عابرا أو هدفا سهل المنال تشن عليه الحرب مرة كل عام، ولم يعد ظاهرة يمكن استئصالها، وأنه قد أصبح مركزا رئيسيا من مراكز القوة والتأثير والأمن في الجزيرة العربية.

وجاء امتحان مدى التزام المسلمين بالإتفاق فوريا، ومن قبل أن يتبين كثير منهم مزايا ما توصل إليه النبي صلى الله عليه وسلم مع سهيل بن عمرو. في تلك الساعات الحساسة، تمكن مسلم يدعى أبو جندل بن سهيل من الفرار من المعتقلات القرشية والوصول إلى معسكر النبي صلى الله عليه وسلم، فوجده يكتب كتاب الصلح مع سهيل.

كان أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد الذي كبله به أعداء حرية العقيدة في مكة، ولاشك أنه كان يرى في تلك لحظة وصوله لمعسكر المسلمين لحظة التحرر والإنعتاق. لكن سهيل بن عمرو، المفاوض الرسمي لقريش، أمسك به، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم إن اتفاق الصلح قد أبرم قبل أن يصل أبو جندل يطلب النجاة والحرية. وأمّن النبي صلى الله عليه وسلم، الصادق الأمين، على هذا الحديث لأنه كان صحيحا. ونظر المسلمون ـ والألم يعصر قلوبهم ـ إلى أخيهم في العقيدة يستصرخهم ويطلب النجدة منهم، وقد أمسك به سهيل يجره ليرده إلى قريش، ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك، وأعطونا عهد الله، وإنا لا نغدر بهم”. (6)

هذه أخلاق الأنبياء، تفي بالعهد وتنبذ الغدر. ولو كان لأعداء حرية الإيمان أخلاق مماثلة لأعطوا لأبي جندل حريته وسمحوا له بالإنضمام إلى المسلمين. لكن قلوبهم كانت قاسية مغلقة، وعقولهم سيطر عليها التعصب، وكذلك هو طبع أعداء الإيمان وحرية العقيدة في كل زمان ومكان.

كان منظر سهيل وهو يجر معه إنسانا حرا لاضطهاده وقمعه بسبب إيمانه بوحدانية  الله الخالق للإنسان والكون شهادة على طبيعة المعركة التي كانت تدور في قلب الجزيرة العربية بين المسلمين وخصومهم، وهي كانت في الحقيقة معركة العالم كله. معركة المؤمنين بالله والحرية، في مواجهة المؤمنين بالشرك والديكتاتورية.

 

التحلل من الإحرام ونصيحة أم سلمة

 

يلبس المسلمون لباسا خاصا لأداء مناسك العمرة أو الحج. إنها ثياب الإحرام، وهي عبارة عن قطعتين من قماش أبيض غير مخيط تستران البدن، لا مجال فيهما لإبداء الزينة أو الغنى والترف. وأشهر يوم يتجلي فيه معنى المساواة المطلقة بين الناس أمام خالقهم هو يوم الوقوف بجبل عرفة في مواسم الحج، عندما يجتمع ما يزيد عن مليوني مسلم (هذا عدد الواقفين بعرفة في الثلث الأول من القرن الهجري الخامس عشر، الموافق لبداية القرن الميلادي الحادي والعشرين) لعبادة الله ودعائه والتضرع إليه، كلهم يلبس ثوب الإحرام: لا فرق عندئذ بين أمير أوغفير، لأن التمايز أمام الله سبحانه وتعالى لا يكون بالمال ولا بالمركز الإجتماعي، إنما بالتقوى ومحبة الله والعمل الصالح.

يعود المسلم إلى ارتداء ملابسه العادية بعد إتمام مناسك العمرة أو الحج، وحتى ذلك الحين، يعد محرما، متجردا لأداء هذه الطاعة العظيمة. فكيف يفعل المشاركون في حملة الحديبية وقد انتهى أمر الحملة إلى الصلح الذي عرضنا بنوده آنفا مع سهيل بن عمرو، وهم كانوا يلبسون ثياب الإحرام ويطمعون في زيارة المسجد الحرام وأداء مناسك العمرة؟

صدر الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم للجميع بنحر الهدي الذي جاؤوا به وحلق رؤوسهم والتحلل من الإحرام، بناء على ما جاء في الإتفاق من ضرورة عودة المسلمين إلى المدينة المنورة والسماح لهم بالإعتمار في العام المقبل. لكن شعور المرارة الذي طغى على المسلمين في تلك الساعات جعلهم يتثاقلون عن التحلل من الإحرام. وقد كرر النبي صلى الله عليه وسلم أمره لهم ثلاث مرات بأن يقوموا فينحروا هديهم ويحلقوا رؤوسهم لكن لم يقم منهم أحد.

دخل النبي صلى الله عليه وسلم على زوجته أم سلمة، وحدثها بما صنع المسلمون، فأشارت عليه برأي سديد. اقترحت عليه أن يخرج لأنصاره فلا يكلم منهم أحدا حتى يبدأ هو بنحر الهدي الذي جاء به ويحلق رأسه ويتحلل من إحرامه، وقالت له إن الناس سيتبعونه فورا إذا ما رأوا صنيعه.

ها هنا أيضا يظهر الدور المؤثر للمرأة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام، فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يثق بها ويستشيرها، وإذا كانت خديجة بنت خويلد قد سبقت الناس جميعا للإسلام، وسمية قد دونت اسمها أول شهيد من أجل الإسلام، فإن أم سلمة حفظت موقعها في التاريخ بهذه النصيحة الغالية في لحظة عصيبة من لحظات حملة الحديبية.

كأنما كانت أم سلمة تقرأ ما سيجري في كتاب أمام عينيها. ذلك أنه ما أن رأى المسلمون صنيع النبي حتى زالت غشاوة الغضب والألم عن عيونهم، وتذكروا نعمة الله عليهم بصحبة النبي الكريم، وأدركوا أنهم قاربوا الدخول في باب معصيته قبل لحظات، فنشطوا وقاموا على عجل متدافعين متنافسين، ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم لبعض، ويستغفرون الله كثيرا خشية أن يكونوا قد أغضبوا نبيه وعصوه.

لاشك أن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يعرف تماما حقيقة المشاعر التي فاضت بها صدور أصحابه في تلك اللحظات، ويفهم طبيعة الألم الذي كان يعصر قلوبهم لعودتهم إلى المدينة دون ممارسة حقهم المشروع في زيارة المسجد الحرام وأداء مناسك العمرة محبة لله ربهم وطاعة لتعاليمه. لكنه كان أبعد نظرا منهم، وكان مؤيدا مسددا بالوحي، واثقا أن ربه لن يضيعه، ميالا كما كان في سيرته كلها منذ كلف بالرسالة إلى مسالك الحوار وطرق السلام. وقد سبق قوله في أول حملة الحديبية: “لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرحم إلا أعطيتهم إياها”. (7)

وهكذا تحلل المسلمون من إحرامهم، وسلك موكب المؤمنين بالله الواحد الأحد طريق العودة إلى المدينة المنورة.

 

الفتح المبين والفوز العظيم

 

في طريق العودة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة نزل الوحي من السماء يبين للمسلمين ضخامة الإنجاز العظيم الذي حققوه وربما غفلوا عن أهميته الكبرى في لحظات الحزن والغضب بسبب عدم إتمام عمرتهم. إنجاز كبير سماه القرآن الكريم فتحا مبينا ونصرا عزيزا كما تنطق بذلك هذه الآيات الكريمة من سورة الفتح:

“إنا فتحنا لك فتحا مبينا. ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك، ويهديك صراطا مستقيما. وينصرك الله نصرا عزيزا. هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم. ولله جنود السماوات والأرض. وكان الله عليما حكيما. ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ويكفر عنهم سيئاتهم، وكان ذلك عند الله فوزا عظيما”. (الفتح: 1-5)

هذه هي نتيجة حملة الحديبية بميزان الله الأعدل من كل عادل، والأعلم من كل عليم. فكيف هو كسب المشركين والطغاة الذين ردوا المؤمنين ولم يسمحوا لهم بالعمرة، وتفننوا في اضطهاد من أراد الخروج من ظلمات الشرك إلى نور توحيد الله وعبادته؟ يأتي الجواب مباشرة في الآية السادسة من سورة الفتح:

“ويعذب المنافقين والمنافقات، والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء. عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا”. (الفتح: 6)

ثم تأتي الآيات الموالية لتذكر النبي والمسلمين والناس أجمعين في كل البلدان وفي كل الأزمان بطبيعة الرسالة الإسلامية: إنها رسالة تذكير وبشارة وإنذار، تهدي الناس سبل السلام، وتتم ما بدأه إبراهيم وموسى وعيسى وإخوانهم من الأنبياء والمرسلين من بناء أركان الإيمان في القلوب قبل الجدران، وترشد كل إنسان لأسرار السعادة: الإيمان بالله ورسوله والذكر والتسبيح والطاعة، فذلك هو الميزان الذي تستقيم به كل الأمور الأخرى في الحياة. وهنا موقع الإنذار في الرسالة الإسلامية، أي أنها تنذر الناس جميعا أنه من دون الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ومن دون الطاعة والذكر ومحبة الأنبياء كافة وعمل الصالحات والتزام الكلمة الطيبة، ومن دون ذلك لا يكون لعمل الإنسان شأن يذكر في ميزان الله. وميزان الله هو الميزان الحق الذي يجدر بكل الناس أن يهتموا به وحده ويعرضوا عما سواه:

“ولله جنود السماوات والأرض، وكان الله عليما حكيما. إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا. إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله. يد الله فوق ايديهم. فمن نكث فإنما ينكث على نفسه. ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما”. (الفتح: 7-10)

ثم تضمنت سورة الفتح بيان رضوان الله على الذين بايعوا النبي تحت الشجرة في لحظات الشدة والعسرة، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في هذا الفصل، وتنديدا بالكفار الذين صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام ومنعوا الهدي أن يذبح في المكان الذي يحل فيه نحره، وتعصبوا تعصب الجاهلية يرفضون أن يبدأ اتفاق الصلح باسم الله الرحمن الرحيم، ثم ختمت السورة ببشارة عظمى للمسلمين عن دخولهم المؤكد القريب للمسجد الحرام، وببيان جميل مؤثر عن الرابطة الوثيقة بين محمد وأصحابه، وبين المسلمين والذين سبقوهم من أهل الإيمان، من اليهود أهل التوراة والمسيحيين أهل الإنجيل:

“إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية. فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين، وألزمهم كلمة التقوى، وكانوا أحق بها وأهلها. وكان الله بكل شيء عليما. لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون. فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا. محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم. تراهم ركعا سجدا، يبتغون فضلا من الله ورضوانا. سيماهم في وجوههم من أثر السجود. ذلك مثلهم في التوراة. ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه، فآزره، فاستغلظ فاستوى على سوقه. يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار. وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما”. (الفتح: 26-29)

وقد ورد في سيرة ابن هشام قول للزهري، وهو من كبار أهل العلم في تاريخ الإسلام، يفسر وصف ما جرى في الحديبية بالفتح العظيم: “فما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة ووضعت الحرب، وآمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه. ولقد دخل تينك السنتين مثل من كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر”. (8)

إن ساحة الحوار الحر، في أجواء السلم والأمن للجميع، هي أفضل الأجواء للإسلام وأتباعه. والحرية هي شرط قبول الإسلام ممن يدخل فيه من البشر، لأن المكره على الدين لا دين له. هذا يعني إن الإسلام يخاطب العقل الحر، والإنسان الحر. وقد أظهرت التجربة التاريخية في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعده أن الذين يؤمنون بأهمية الحرية ويعرفون قيمتها العظمى، من الرجال والنساء في كل عصر، كانوا دائما هم الأسرع الى تلبية نداء الإيمان والحرية والدخول في دين الإسلام. بل إن أكبر بلد مسلم الآن في العالم، أي أندونيسيا، دخل في الإسلام طوعا ومحبة وعن قناعة حرة، من دون حرب أو نزاع أو أي نوع من أنواع المصادمات.

من هنا كان الوصول إلى الصلح ونشر الأمان بين الناس ليتحاوروا بحرية فتحا مبينا في ميزان القرآن الكريم، وانتصارا عظيما لم يحقق المسلمون من قبل انتصارا أعظم منه. إن حجة المسلمين في عهد السلم والحرية أقوى من حجة خصومهم من المشركين والمستبدين، فاستجاب الآلاف لنداء الإيمان والحرية، وكان الأمر كما وصفه الزهري: لم يُكَـلّـم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه.

يذكر هنا أنه قبل الخروج في حملة الحديبية، كان النبي صلى الله عليه وسلم قد رأى في منامه رؤيا عن دخوله مكة آمنا. فلما عاد إلى المدينة من حملته تلك في الشهر الأخير من السنة السادسة للهجرة دون أن يدخلها، سأله بعض أصحابه: ألم تقل يا رسول الله إنك تدخل مكة آمنا؟ قال: بلى، أفقلت لكم عامي هذا؟ قالوا: لا. قال: فهو كما قال لي جبريل عليه السلام. (9)

وقد عرضنا قبل قليل آية تأكيد بشارة دخول المسجد الحرام في سورة الفتح. وبالفعل، ما مضى عام بعد ذلك، حتى تحققت البشارة ودخل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مكة يعظمون شعائر الله وينتصرون لدعوة التوحيد والحرية وكرامة الإنسان، ضد دعوة الشرك والظلم والطغيان.

 

دعوة للناس أجمعين

 

عاد النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، واتخذ خطوة مهمة بينت الطابع العالمي لدعوة الإسلام، وأكدت أنها لم تكن في أي يوم دعوة محلية لقريش أو للجزيرة العربية أو للعرب وحدهم دون شعوب العالم. كانت تلك الخطوة هي مكاتبة قادة الممالك والإمارات المجاورة، من ملوك وأمراء وحكام، ودعوتهم إلى الإسلام، عبر رسائل خطية أرسلها لهم مع مبعوثين مسلمين مختارين من قبله.

واتخذ النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه خاتما من فضة يختم به رسائله إلى هؤلاء الحكام والملوك، وقد نقش عليه ثلاث كلمات، كل كلمة في سطر مستقل: محمد رسول الله، وجعل اسم الله في السطر الأعلى، و”رسول” في السطر الوسط، واسمه دونهما، تعظيما لاسم الله وإجلالا.

حمل دحية بن خليفة الكلبي رسالة النبي إلى قيصر ملك الروم، وحاطب بن أبي بلتعة رسالته إلى المقوقس ملك مصر، وعبد الله بن حذافة رسالته إلى كسرى ملك الفرس، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة. ووجه النبي صلى الله عليه وسلم رسائل إلى قادة بارزين في الجزيرة العربية ومنطقة الخليج والشام، منهم الحارث الغساني في الشام، وجيفر وأخوه عباد ملكي عمان، وثمامة بن أثال، وهوذة بن علي ملك اليمامة، والمنذر بن ساوى حاكم البحرين.

كل هؤلاء حكام مهمون ومؤثرون، لكن من الضروري الإشارة هنا أن من بينهم زعيما الدولتين الأكثر قوة ونفوذا في النظام العالمي السائد آنذاك: ملك الفرس وقيصر الروم. فمن أين استمد النبي صلى الله عليه وسلم القوة والجرأة لمخاطبة هذين الزعيمين ودعوتهما للإسلام؟ ليس لهذا السؤال إلا جواب رئيسي واحد، هو ثقته الكاملة بربه، ونبل التعاليم التي يبشر بها، وأنه إنما كتب إلى هؤلاء الحكام كافة في باب تأديته لواجب إبلاغ رسالة الله للعالم، وهي الإسلام.

كتب النبي صلى الله عليه وسلم في رسالته إلى ملك الفرس:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. وأدعوك بدعاية الله، فإني رسول الله إلى الناس كافة لينذر من كان حيا، ويحق القول على الكافرين. فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن اثم المجوس عليك”.

وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيصر:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم. سلام على من اتبع الهدى. أسلم تسلم. أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك اثم الأرسيين: “يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألأ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا اشهدون بأنا مسلمون”.

 وكتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس حاكم مصر:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام. أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإنما عليك اثم أهل القبط. “يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألأ نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله. فإن تولوا فقولوا اشهدون بأنا مسلمون”.

وجاء في رسالة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملك الحبشة:

“بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشي عظيم الحبشة: سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة فحملت بعيسى من روحه ونفخه، كما خلق آدم بيده. وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل. وقد بلغت ونصحت، فاقبل نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى”.

رد ملك الحبشة على هذا الخطاب بجواب يبين أنه قبل الدعوة ودخل في دين الإسلام، وقد مر بنا من قبل الموقف التاريخي النبيل والعظيم للنجاشي عندما حمى المسلمين المهاجرين إلى بلاده وتأثر بما سمعه منهم من قرآن وشرح وبيان. جاء في الخطاب:

“إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة: سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد:

فقد بلغني كتابك يا رسول الله فيما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى لا يزيد على ما ذكرت ثفروقا. إنه كما قلت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، وقد قربنا ابن عمك وأصحابك، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين”. (10)

أما كسرى ملك الفرس فإن جوابه كان مناقضا تماما لموقف ملك الحبشة، فقد استنكر أن يخاطبه “عبد حقير من رعيته يكتب اسمه قبله”، ومزق الخطاب، ووجه إلى باذان واليه في اليمن باعتقال مرسله في الحجاز، أي النبي صلى الله عليه وسلم، وتسليمه إليه. كان كسرى مستهينا تماما بأمر نبي الإسلام، وكذا أيضا كان موقف واليه في اليمن الذي أرسل رجلين قويين مفتولي العضلات لتنفيذ المهمة. فلما وصلا المدينة وعرف النبي صلى الله عليه وسلم منهما الخبر، أمرهما بملاقاته في اليوم التالي.

وعند اللقاء الثاني أخبر النبي صلى الله عليه وسلم وفد والي اليمن أن كسرى قد قتل بيد ابنه شيرويه الذي انقلب عليه، في أجواء فوضى وثورة أعقبت هزيمة كبيرة لجيش الفرس أمام جيش قيصر الروم، وأمرهما بالعودة من حيث جاءا وإبلاغ باذان أن الإسلام سينتشر وسيمتد نفوذه ليغطي ملك كسرى كله، وأن الخير له في دخول الإسلام والحفاظ على مركزه. وجاء الخبر إلى باذان من شيرويه بقتله لأبيه كسرى، كما جاءه توجيه بتجميد الأوامر السابقة بخصوص النبي صلى الله عليه وسلم. وقد أثر هذا الموقف على باذان ومن معه من الفرس المقيمين في اليمن وكان سببا في اعتناقهم الإسلام. (11)

أما هرقل، زعيم الإمبراطورية الرومانية، فقد كان في تلك الفترة مقيما في بيت المقدس، جاءها قادما من حمص، يحتفل بانتصاره الكبير على الفرس واسترداد مناطق واسعة كان كسرى قد احتلها من قبل، في سنة 629 ميلادية، السنة السابعة للهجرة النبوية. وفي أجواء هذا الإنتصار العسكري الكبير، وصلته رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فأراد أن يجري بعض التحريات حول مرسلها، وصادف أن كان أبو سفيان موجودا في واحدة من رحلاته التجارية الكثيرة للشام مع مجموعة من تجار قريش، فأرسل إليه أن يحضر إليه في بيت المقدس مع أصحابه.

 

حوار هرقل مع أبي سفيان

 

وصل أبو سفيان مع مرافقيه من التجار إلى بيت المقدس، ودخلوا إلى ديوان هرقل فوجدوه محاطا بعدد من عظماء الروم، وكان هناك أيضا مترجم يسهل الحوار بين زعيم الروم وزعيم قريش. قال أبو سفيان يروي ما جرى في تلك الجلسة:

“فقال (أي هرقل): أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟

فقلت أنا أقربهم نسبا.

فقال أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره.

ثم قال لترجمانه: قل لهم إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه. (يقول أبو سفيان) فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه.

ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟

قلت: هو فينا ذو نسب.

قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟

قلت: لا.

قال: فهل كان من آبائه من ملك؟

قلت: لا.

قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

فقلت: بل ضعفاؤهم.

قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون.

قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟

قلت: لا.

قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟

قلت: لا.

قال: فهل يغدر؟

قلت: لا، ونحن منه في مدة (أي هدنة) لا ندري ما هو فاعل فيها. قال (أي أبو سفيان) ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة.

قال: فهل قاتلتموه؟

قلت: نعم.

قال: فكيف كان قتالكم إياه؟

قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منا وننال منه.

قال: ماذا يأمركم؟

قلت: يقول أعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.

فقال (أي هرقل) للترجمان: قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها. وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتي بقول قيل قبله. وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله. وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم أتبعوه وهم أتباع الرسل. وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر. وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف.

وأضاف القيصر مخاطبا أبا سفيان: فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين. وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه. ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية الى عظيم بصرى فدفعه الى هرقل فقرأه فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله الى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا تعبد إلا الله ولا تشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون.

قال أبو سفيان: فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب وارتفعت الأصوات وأخرجنا، فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمِرَ أمرُ ابن ابي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر.. فمازلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام. (12)

تبين هذه الرواية أن أبا سفيان، وهو أحد ألد خصوم النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر قادة المعسكر المعادي للإسلام لم يستطع أن يثبت عليه منقصة واحدة عندما طلب منه هرقل شهادته وطلب من الحاضرين أن يكذبوه إن كذب. ويعترف أبو سفيان نفسه أنه لولا مخافته من أن يشهد عليه من حضر معه من العرب بالكذب لفعل، وتلك خصلة تحسب له ولكثيرين من أهل جيله من زعماء العرب.

وثمة روايات تاريخية تفيد أن هرقل مال إلى دعوة التوحيد لما فيها من قوة ووضوح وبساطة، لكنه تخلى عنها خشية ما ستحدثه من انقسامات في صفوف بطانته وكبار رجال دولته، بما يوثر على موقعه في قمة السلطة. (13)

وأكرم المقوقس حاكم مصر مبعوث النبي صلى الله عليه وسلم إليه، حاطب بن أبي بلتعة، وبعث معه هدايا إلى النبي لكنه لم يؤمن به، وإن كان أوضح في جوابه المكتوب أنه علم أن نبيا بقي، وكان يظن أنه يخرج بالشام. وسأل المقوقس أثناء حواره مع حاطب: ما منعه إن كان نبيا (أي محمد)، أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فأجاب حاطب: ما منع عيسى ـ وقد أخذه قوم ليقتلوه ـ أن يدعو الله عليهم فيهلكهم؟ فقال المقوقس: أحسنت. أنت حكيم جاء من عند حكيم. (14) 

وقد بقي اللطف والإحترام المتبادل والقبول بحق الإختلاف سمات رئيسية للعلاقات التاريخية بين الأقباط والمسلمين في العصور اللاحقة.

وقبل حاكم البحرين دعوة الإسلام ودخل فيه معه عدد من أعيان قومه. أما حاكم دمشق الحارث بن أبي شمر الغساني فقد تكبر وغضب، ورمى برسالة النبي  صلى الله عليه وسلم أرضا، وقال: من ينزع مني ملكي؟ وتوعد بتجهيز حملة عسكرية وشن الحرب على المسلمين.

هذه ردود فعل مختلفة على دعوة الإسلام، ولاشك أن الفلاح كان حليفا لمن قبل بالتوحيد ودخل بحرية وطواعية وحماس في نادي المؤمنين، وهو ناد كريم، زعماؤه وقادته من أكرم الخلق أجمعين، فيهم نوح وإبراهيم وموسى ويعقوب ويوسف وسليمان وداوود وزكريا ويحيى وعيسى ومحمد، ولائحة طويلة من الأنبياء والمرسلين، عليهم الصلاة والسلام وأجمعين، كلهم نصحوا لأممهم ودعوهم إلى ما فيه الخير والفوز الكبير في الدنيا والآخرة.

مهمة الأنبياء هي إبلاغ الناس رسالات ربهم، والناس بعد ذلك في حرية من أمرهم، منهم من ينكر ويكابر ويخسر، ومنهم من يستجيب ويسعد ويفوز، كما تشير إلى ذلك هذه الآيات القرآنية الكريمة:

“ثم أرسلنا رسلنا تترا. كل ما جاء أمة رسولها كذبوه. فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث، فبعدا لقوم لا يؤمنون. ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما علين. فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون. فكذبوهما فكانوا من المهلكين. ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون. وجعلنا ابن مريم وأمه آية، وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين. يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم. وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا، كل حزب بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتى حين. أيحسبون أنما نمد لهم من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات، بل لا يشعرون. إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون”. (المؤمنون: 44-61)

وقد أثبت توجيه الرسائل لملوك وحكام الدول المجاورة أن رسالة الإسلام لا تخص قريشا ولا سكان الجزيرة العربية، وإنما هي موجهة للناس أجمعين، تخاطب كل فرد فيهم بخطاب القرآن الكريم، تذكرهم بأعظم حقائق الوجود، كما في هذه الآيات الكريمة:

“أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا، وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم. ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه. إنه لا يفلح الكافرون. وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين”. (المؤمنون: 115-118)

 

تصفية الحساب مع المشاركين في حملة الأحزاب

 

كانت الدعوة للإسلام أول وأهم ما شغل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في فترة الهدنة مع قريش، وفي هذا السياق جاءت الرسائل الموجهة لملوك الدول المجاورة وحكامها، وذلك في نهاية العام الهجري السادس وبدايات العام السابع.

لكن الهاجس الأمني لم يغب عن البال، فخصوم الدولة الإسلامية الوليدة مازالوا يحيطون بها من جهات كثيرة، وأخطرهم الذين شاركوا بصفة مباشرة أو غير مباشرة في حملة الأحزاب التي حاصرت المدينة وسعت لاستئصال المسلمين مرة واحدة، ثم عصابات البدو الذين امتهنوا العيش على الإغارة والنهب والعدوان.

ومثلما يظهر في كل فصول السيرة النبوية، فإن أبرز نقاط القوة في التاريخ الإسلامي هي كونه تاريخا لجهاد البشر وكفاحهم من أجل الإيمان والحرية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة بين البشر. الدين رسالة الله للإنسان، ونجاح المسلمين في الدفاع عنه وتمثل تعاليمه في حياتهم هو الشهادة الأكبر لكل الأجيال بأن الدين صالح لعموم الناس، متوافق مع قابلياتهم وطبائعهم. ولو أن الله تعالى كلف الملائكة بتبليغ رسالته للناس لكان أمره نافذا من دون شك ولا ريب، لكن خصوم الدين سيرفعون آنذاك حجتهم الجاهزة: هذا الدين لا تقدر عليه إلا الملائكة!

بهذه الروح نستطيع أن نقترب من تفكير المسلمين في بدايات العام السابع للهجرة، بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم. إن الهدنة مع قريش محدودة الأجل وإن طالت، واحتمالات الغدر منهم واردة في كل وقت. فهل يقبل منهم عدم اغتنام الفرصة المتاحة لهم لتأمين دولتهم من الخصوم والأعداء المتربصين من كل مكان، وليس فقط من مكة وزعماء قريش؟

وفيما يخص علاقات المسلمين بغيرهم من أهل الكتاب، يجد الباحث في تاريخ السنة النبوية أن النبي صلى الله عليه وسلم وثق بالنجاشي، ملك الحبشة المسيحي، أيام الهجرة الأولى للمسلمين وأثنى على عدله. كما أنه عندما قدم إلى المدينة واستقر بها سن عهده وميثاقه ودستوره المشهور الذي نظم التحالف السياسي والأمني بين المسلمين واليهود واعتبرهم أمة واحدة.

ومثل هذا السلوك المشهور في السيرة النبوية موافق لهدي الإسلام العام في التعامل مع أهل الكتاب من مسيحيين ويهود، من جهة الدعوة لإحترامهم، ومعاملتهم بالبر والقسط، وكفالة حريتهم في العبادة، والسماح بالزواج منهم، والدعوة لمجادلتهم بالتي هي أحسن.

وقد حصلت في تاريخ السيرة النبوية أيضا مصادمات بين المسلمين واليهود، ليس بسبب خلاف في تفسير هدي الإسلام العام في التعامل مع أهل الكتاب، ولكن لأن عددا من زعماء القبائل اليهودية في تلك المرحلة قرأوا موازين القوى بصفة خاطئة، واعتقدوا أن قريشا ستنتصر على المسلمين وتقضي عليهم، لذلك وقفوا مع قريش، كما كان شأنهم في حملة الأحزاب التي كانت تهدف لأسقاط دولة المدينة واستئصال المسلمين، مما أدى لانهيار تحالفهم مع الدولة الإسلامية.

بعض زعماء هذه القبائل تجمعوا مع أتباعهم في خيبر. وكان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه متوجسين من الخطر الذي يمثله هذا التجمع، وأيضا من خطر قبائل غطفان التي شاركت من قبل في حملة الأحزاب على المسلمين، وجماعات من البدو الذين امتهنوا الخطف وقطع الطريق والعدوان.

من هؤلاء المخربين المحتمين بالصحراء عبد الرحمن الفزاري ومجموعة من قطاع الطرق الذين أغاروا في الشهر الأول من العام الهجري السابع على قطيع من مواشي المسلمين وقتلوا الراعي الذي كان معه، فخرج لهم الرسول في جيش من المسلمين طاردهم وأدبهم واسترجع الممتلكات المسروقة منهم، وسميت تلك الغزوة غزوة الغابة أو غزوة ذي قرد.

بعد ذلك تحرك الجيش الإسلامي تحت قيادة النبي صلى الله عليه وسلم باتجاه خيبر، على بعد حوالي مائة كيلومتر شمالي المدينة المنورة، وهي مدينة كبيرة تتكون من حصون عسكرية محصنة، وسلك لها طريقا يفصل بين أهل خيبر وأهل غطفان، العدو اللدود الآخر للمسلمين. ومع أن التنسيق بين غطفان وأهل خيبر كان وثيقا، إلا أن خشية أهل غطفان من التعرض لحملة عسكرية من جيوش المسلمين جعلهم يصرفون طاقاتهم للدفاع عن أنفسهم وليس لمناصرة حلفائهم.

استغرقت غزوة خيبر أكثر من شهر، وانتهت بانتصار كامل للمسلمين، واستشهاد ثمانية عشر مقاتلا منهم. وقد لعب علي بن أبي طالب رضي الله عنه دورا محوريا في تحقيق هذا النصر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم حينها بحقه حديثا عظيم الشأن.

روي مسلم في صحيحه في باب عرض مناقب علي رضي الله عن سهل بن سعد “أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: لأعطين هذه الراية رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فبات الناس يدوكون ليلهم أيهم يعطاها. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه. فأتي به فبصق رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية”.

وفي يوم النصر في خيبر، قدم جعفر بن أبي طالب على النبي صلى الله عليه وسلم، عائدا من الحبشة في وفد ممن بقي من المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لاجئين بدينهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد كتب إلى حاكمها النجاشي يطلب منه أن يسهل سفر المسلمين المهاجرين عنده إلى المدينة، فجهز لهم سفينتين حملتهم، وكانوا ستة عشر رجلا وعدد من النساء والأطفال.

ولعل عددا كبيرا ممن هاجروا قبل عدة سنوات من مكة إلى الحبشة، فرارا من طغيان زعماء قريش وبطشهم واستهتارهم بحرية العقيدة والعبادة، لم يكونوا واثقين من العودة إلى الجزيرة العربية ظافرين منتصرين، لكن ذلك لم يجعلهم يتخلون عن إيمانهم.

 وكذلك شأن المؤمنين في كل جيل، سواء في عصر محمد صلى الله عليه وسلم، أو في العصور السابقة أيام نوح وإبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام من قبله، أو في العصور اللاحقة، إنما يقبلون عقيدة الإيمان عن قناعة ومحبة لله ورغبة مخلصة في رضوانه، ولا يتأثر إيمانهم ولا يرتبط بما ينالهم في الدنيا من مكاسب أو خسائر، ومن ظلم يصيبهم من طرف الطغاة والمستبدين، أو نصر ينالونه على حساب الظالمين والمشركين.

فرح النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا بمقدم جعفر، واحتضنه وقبله بين عينيه، وقال: ما أدري بأيهما أسر، أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟ وهذا فرح مبرر ومفهوم، فيه محبة النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه، واهتمامه بمن هاجر إلى الحبشة، وفيه إثبات لمقام جعفر ومكانته في تاريخ المسلمين، وهو الذي عرض الإسلام في مجلس النجاشي عرضا مختصرا بليغا مقنعا قليل نظيره في تاريخ الدعوة الإسلامية، مما أحبط مساعي قريش التي سعت لاستردادهم بالحيلة والكذب والبهتان.

أقول إنه عرض جعفر قليل نظيره في تاريخ الدعوة الإسلامية، وأسأل المختصين في هذا الباب إن كانوا وجدوا في الكتب والمجلدات الكثيرة التي ألفها أهل العلم في التعريف بالإسلام وشرح تعاليمه مرافعة كمرافعة جعفر، في جزالة عبارتها، وإحاطتها بجوهر رسالة الإسلام، وفي اختصارها وقلة عدد كلماتها. وهنا تذكير بنص تلك المرافعة الرائعة العظيمة:

قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يخاطب ملك الحبشة في ديوانه، بحضور حشد كبير من الساسة ورجال الدين:

“أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف. فكنا على ذلك، حتى بعث الله الينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا الى الله، لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات. وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئا. وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام. فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا. فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا الى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالو بيننا وبين ديننا، خرجنا الى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك”.

ها هو جعفر اليوم إلى جوار النبي صلى الله عليه وسلم، يحتفل معه بانتصار كبير للمسلمين، وهو انتصار ترددت أصداؤه في المنطقة وعزز مهابة الدولة الإسلامية في نفوس أعدائها، فاختارت بعض القرى والقبائل المجاورة في فدك وتيماء عقد صلح مع المسلمين دون قتال وتم لهم ذلك.

وفي نفس الفترة كان إبان بن سعيد يقود سرية عسكرية بتكليف من النبي صلى الله عليه لتخويف عصابات البدو ورد خطرهم على المدينة، فأدى ما كلف به، والتحق بجيش المسلمين في خيبر بعد فتحها.

وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة منتصرا في صفر من العام السابع للهجرة، وقد تزوج في تلك الغزوة من أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب بعد أن أسلمت.

بعد العودة من خيبر، بعث النبي صلى الله عليه وسلم ثمان سرايا عسكرية أمّر عليها عددا من الصحابة، استهدف بعضها تجمعات لقبائل غطفان التي كانت الضلع الثالث في تحالف حملة الأحزاب ضد المسلمين، واستهدف بعضها الآخر عصابات البدو المتخصصين في النهب والسلب، أو مناطق أخرى يخشى منها الخطر على المسلمين. وعززت هذه السرايا أمن الدولة الإسلامية، وأظهرت للطامعين فيها والمتربصين بها شرا أن أسهمها في صعود، وأن التحرش بها يعود بالوبال على أصحابه.

حتى إذا كان شهر ذي القعدة، الشهر الحادي عشر بالتقويم الهجري، جمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الذين رافقوه في حملة الحديبية، بالإضافة إلى المئات ممن لم يخرجوا معه في تلك الحملة، وخرج بهم قاصدا مكة المكرمة مجددا لأداء مناسك العمرة، طبقا لما تم الإتفاق عليه في صلح الحديبية مع قريش.

عين النبي صلى الله عليه وسلم حاكما على المدينة في غيابه هو عويف بن الأضبط الديلي، وخرج في أصحابه ومعهم من السلاح ما يحمون به أنفسهم إن غدرت قريش ونكصت عن عهودها. ولكن قريش التزمت ببنود المعاهدة، وخرج أهلها إلى جبل قعيقعان شمال مكة يراقبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يدخلون المسجد الحرام، ويظنون أنهم سيصلون مقصدهم في عسرة وجهد وشدة من السفر أو من حُمّى يثرب.

لكنهم وجدوا المسلمين في أحسن حال، أقوياء متحمسين لما جاؤوا من أجله، فرحين بدخول مكة المكرمة من جديد، ولو كان ذلك لثلاثة أيام فقط كما يقضي بذلك صلح الحديبية.

أدى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مناسك العمرة آمنين. طاف هو وأصحابه بالكعبة المشرفة سبعة مرات، هرولوا في ثلاث منها. فقال بعض القرشيين وهم يرون المسلمين يهرولون عند طوافهم بالكعبة: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا!

ولما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الطواف سعوا بين جبلي الصفا والمرة سبعة أشواط. وفي نهاية الشوط السابع، عند جبل المروة، ذبحوا الهدي الذي جاؤوا به قربة لله وصدقة للفقراء والمحتاجين. ووجه النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه والمسلمين من بعده حتى لا يكونوا في عسر من دينهم ومناسكهم فقال: “هذا المنحر وكل فجاج مكة منحر”. ثم حلق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رؤوسهم إيذانا بإتمام المناسك. وفي هذه العمرة، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث.

وبعد ثلاثة أيام، غادر موكب المؤمنين مكة المكرمة كما هو مقتضى اتفاقية الحديبية، وسميت تلك العمرة بعمرة القضاء، بمعنى أنها قضاء عن عمرة الحديبية التي لم تتم، كما سميت بعمرة الصلح، بمعنى أنها تمت بمقتضى اتفاق الصلح الموقع في الحديبية.

وبإتمام هذه العمرة ثبت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه صدق البشارة الذي جاءت في سورة الفتح من القرآن الكريم:

” لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون. فعلم ما لم تعلموا فجعل من دون ذلك فتحا قريبا. هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدا”. (الفتح: 27-28)

وفي رأيي أنه يجوز الإستدلال بصدق هذه البشارة أيضا على صحة القرآن الكريم وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه خاتم النبيين دون شك ولا ريب، فإنه لو مات النبي صلى الله عليه وسلم قبل دخوله المسجد الحرام، أو لو أن قريشا نقضت المعاهدة وجيشت الأحزاب من جديد ضد المسلمين وانتصرت عليهم، لشك الناس في صدق القرآن الكريم ولقالوا: ماذا عما جاء في الآيتين 27 و28 من سورة الفتح؟

لكن البشارة تحققت لأن القرآن الكريم وحي من عند الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. ولأن الله تعالى لا يخلف وعده. ولأن أمر الإسلام كله أمر صدق وحق، وقد فاز من آمن به وعمل بهديه.

 

(1) ـ السيرة النبوية لابن هشام. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 197

(2) ـ المصدر السابق. ص 198

(3) ـ المصدر السابق. ص 201

(4) ـ السيرة النبوية لابن هشام. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 203

(5) ـ المصدر السابق.

(6) ـ المصدر السابق. ص 204

(7) ـ المصدر السابق. ص 198

(8) ـ السيرة النبوية لابن هشام. الجزء الثالث. مصدر سابق. ص 206

(9) ـ المصدر السابق. ص 210

(10) ـ صفي الرحمن المباركفوري: الرحيق المختوم، بحث في السيرة النبوية. بيروت: دار الكتب العلمية، 1999. ص 260

(11) ـ وردت هذه القصة في المصدر السابق. ص 262-263

(12) ـ صحيح البخاري. الجزء الأول. ص 8-9

(13) ـ محمد الغزالي: فقه السيرة. مصدر سابق. ص 399

(14) ـ المصدر السابق. ص 401

 

 

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل الحادي عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: