الفصل الثالث من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

عنوان هذا الفصل: إسلام عمر.. عام الحزن، ورحلة الطائف

 

عاد عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة من الحبشة الى مكة يجران أذيال الخيبة، وسلّم الله اللاجئين المسلمين وحفظهم من مكرهما. وكان فشلهما بالطبع خبرا سيئا لزعماء قريش، لكنه لم يكن الخبر الوحيد من نوعه. لقد فوجئوا بخبر آخر لم يكونوا يتوقعونه، هو إعلان أحد زعمائهم المشهورين بالإقدام والشجاعة والمكانة الرفيعة دخوله في الإسلام. اسم هذا الزعيم الكبير عمر بن الخطاب، وسيحفظ التاريخ بعد ذلك مكانته الرفيعة ودوره الإستثنائي بوصفه الخليفة الثاني للمسلمين، ومثال الحاكم العادل، وداعية الحرية وحقوق الإنسان الذي حكم لمواطن مسيحي بسيط من رعيته ضد نجل وال مشهور من ولاة الدولة، ثم قال قولة مشهورة سبق بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بمئات السنين: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟

 

كان عمر في أول أمره عدوا لدودا للدعوة الإسلامية الجديدة، وقد بلغت به العداوة حد التخطيط لقتل النبي صلى الله عليه وسلم.

أراد عمر أن يحسم أمر الدعوة الجديدة بقتل رمزها الأول خاتم النبيين، وعزم على التوجه إليه في دار الأرقم لتنفيذ جريمته، غير أنه في خضم هذه الفورة المعادية للإسلام ونبيه، وصل إليه خبر بأن أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو دخلا في الإسلام، فلم يستطع تحمل ذلك، وتوجه اليهما يريد بهما شرا.

وصل عمر إلى بيت أخته وزوجها فسمعهما يقرآن آيات من القرآن الكريم، وزاده هذا غضبا وحنقا. حاولت أخته الإنكار أول الأمر، لكنه هاج واعتدى على زوجها، وعندما تدخلت فاطمة لحمايته ضربها فجرحها. عندها واجهته أخته بشجاعة وتحد: “نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فافعل ما بدا لك”. (1)

أدرك عمر سوء ما فعل بأخته وزوجها فتراجع وهدأ، ثم طلب من أخته طلبا واحدا: أن تعطيه الصحيفة، أو الورقة التي كانت تقرأ منها القرآن، فهو يريد أن يطلع بنفسه على نموذج مما جاء به النبي الجديد، ثم إنه تعهد لأخته ألا يمزق الصحيفة بعد أن أبدت خوفها عليها. لمحت الأخت بصيصا من الأمل في ثنايا هذا اللقاء العاصف، فقالت لأخيها أن القرآن الكريم لا يمسك صفحاته باليد إلا المطهرون، فلماذا لا يغتسل احتراما لكلام الله؟ أجابها عمر الى ما أرادت، وكل مطلبه أن يرى ويقرأ بنفسه ما يقول محمد أنه كلام الله الذي يوحى اليه. كان عمر متعلما كاتبا، واثقا من نفسه، ومن قدرته على الحكم والتمييز.

وأخيرا، استلم عمر بن الخطاب الصحيفة بين يديه، فإذا فيها سورة طه، وهي سورة من سور القرآن الكريم تتضمن عرضا مفصلا لقصة موسى عليه السلام وجهوده في دعوة فرعون للدين الحق ومطالبته له بإنهاء طغيانه وتسلطه على الشعب اليهودي. تبدأ سورة طه هكذا:

“طه. ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشى. تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى. الرحمن على العرش استوى. له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى. الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى”. (طه: 1-8)

قرأ عمر الجزء الأول من السورة، وتأمل فيه، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه. عندئذ أدرك صهره أن آيات القرآن الكريم قد بددت ظلمات الشرك والوثنية في عقل عمر وقلبه، فأخبره أن الرسول عليه الصلاة والسلام دعا ربه أن يعز الإسلام بأحد العمرين،: بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام، فلم لا يسبق هو الى الحق والشرف فيكون إسلامه دعوة الرسول المستجابة؟

ما هي إلا ساعة أو ساعتان، حتى كان عمر يدق على باب بيت في الصفا، الجبل المشهور بمكة، يطلب الإذن بالدخول للحديث مع الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي كان مجتمعا آنذاك بعدد من أنصاره من المسلمين. خاف حارس الباب، لكن حمزة بن عبد المطلب، الفارس الشجاع، والذي كان مع الرسول في مجلسه، طمأن الحارس، ورأى أن يفتح الباب لعمر، فإن جاء محاورا سمع منه الرسول، وإن جاء معتديا منع من العدوان.

أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر بالدخول، فلما دخل، وقف الرسول يلتقيه في وسط الدار، وأمسك برداءه، ثم سأله:

ـ ما جاء بك يا ابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة؟

ـ قال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله ورسوله، وبما جاء من عند الله.

فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمر قد أسلم”. (2)

كان يوم إسلام عمر بن الخطاب يوما جميلا وعظيما في تاريخ الإسلام، فرح به النبي وأصحابه، وأثبتت الأعوام اللاحقة أن ذلك الفرح كان في محله تماما.

 

سياسة الحصار الشامل ضد المؤمنين

 

درس زعماء قريش المستبدون أكثر من خيار للتعامل مع رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم وأنصاره، خاصة بعد أن قوي جانب المسلمين كثيرا بدخول عمر بن الخطاب في صفوفهم، وبعد أن انتشرت الدعوة الوليدة بين أبناء القبائل المجاورة. الخيار الوحيد الذي رفضوا بحثه والتفكير فيه بجدية هو الإقرار بصدق ما جاء به النبي وتحرير عقولهم وقلوبهم من العبودية للأصنام والأوهام والبشر، وعبادة الله الواحد الأحد وإفراده بالعبادة من دون شريك.

 وكان ملفتا للإنتباه أن ملك أثيوبيا المسيحي أدرك أن القرآن الكريم وحي من الله منذ اللحظة الأولى التي سمع فيها مقاطع من سورة مريم،  فمنح حمايته الى اللاجئين المسلمين، رغم أنه سمع الآيات من خلال مترجم. أما زعماء قريش الذين وصلهم القرآن بلسانهم، بلسان عربي مبين، وتيقنوا أنه لا يمكن أن يصدر عن بشر، فقد كابروا وعاندوا واختاروا الإمعان في سياسة البطش والظلم والقمع.

قرر زعماء قريش اعتماد خطة جديدة مثلت تصعيدا نوعيا في الحرب على المؤمنين وعلى حرية العقيدة وعلى الإسلام، وتبنوا سياسة العقاب الجماعي ضد بني عبد المطلب، أي أقارب رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم، بسبب الحماية التي وفروها للنبي. شمل العقاب بني عبد المطلب وبني هاشم بصفة عامة، تحت الزعامة الفعلية لأبي طالب، الرجل الذي لم يعلن إسلامه لكنه لم يتخل عن تأييد النبي بقوة وتصميم حتى آخر لحظة في حياته.

فرض قادة قريش بمقتضى خطتهم الجديدة حصارا اقتصاديا واجتماعيا على بني هاشم، وقرروا أن لا يبيعوا لهم أو يشتروا منهم شيئا، وأن لا يتزوجوا منهم أو يزوجوهم. وكتبوا ذلك في صحيفة علقوها وسط الكعبة، لتكون سياسة الحصار الجديدة رسمية وعلنية وملزمة لعامة الناس.

امتد الحصار ثلاث سنوات عانى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم وأقاربه والعديد من أنصاره معاناة شديدة. إن حرية الإعتقاد التي ينعم بها أكثر البشر في هذا العصر لم تكن من القيم والمبادئ التي يؤمن بها زعماء الكفر في مكة، ولذلك بذلوا كل ما في وسعهم ليكون الحصار محكما ومؤثرا بشدة. وكان عمرو بن هشام، المشهور باسم أبي جهل، واحدا من أنشط زعماء قريش في مجال فرض الحصار وإغلاق أي منفذ يستطيع المسلمون من خلاله الحصول على الغذاء وعلى حاجاتهم الضرورية الأخرى، حتى أنه لقد دخل يوما في خصومة شديدة مع حكيم بن حزام بن خويلد، لأنه وجده مع خادم له يحاول تهريب قمح الى عمته خديجة بنت خويلد، زوجة رسول الله صلى عليه وسلم.

خديجة أم المؤمنين: ها هو اسمها يظهر في قصة الإسلام من جديد. كانت تلك السيدة العظيمة مع زوجها فيما سماه المؤرخون شعب بني هاشم، أو حي بني هاشم المحاصر. لم تتخل عنه في أية لحظة، ولم تشك في وعد الله له، ولم تبخل عليه أبدا بمحبتها وعطفها وتأييدها.

صمد النبي الكريم وأهله طيلة فترة الحصار. وبالرغم من كل تلك الظروف الصعبة، لم يتوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن محاورة قومه ودعوتهم الى نور الإسلام. كان واثقا من قدرة الكلمة الصادقة والحجة القوية على النفاذ الى العقول والقلوب، وكان كل ما كان يريده من زعماء قريش هو أن يسمعوا منه ويسمحوا له بشرح تعاليم الإسلام للناس، على أن يبقى القرار النهائي لهم. من أراد الإيمان فأهلا به، ومن رفضه فلا إكراه في الدين.

لكن زعماء قريش رفضوا بإصرار منح حرية الدعوة للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه. الحقيقة أنهم كانوا يخشون من الحرية، لأنهم يدركون سلفا أن عقيدة الشرك السائدة في صفوفهم، والظلم المستشري في مجتمعهم، والتعدي الكبير على حقوق المرأة، وغير ذلك من المفاهيم والأوضاع السائدة، لايمكنها أن تصمد أمام جاذبية عقيدة التوحيد الجديدة التي جاء بها القرآن الكريم.

في تلك الفترة من الحصار عاد الى مكة عدد كبير من المسلمين الذين لجأوا الى الحبشة، وانضموا الى إخوانهم المحاصرين. ويبدو أن الأخبار التي وصلتهم عن إسلام عمر بن الخطاب وانتشار الإسلام بين القبائل قد شجعتهم على العودة. ولكنهم وجدوا الحصار قائما فتحملوا منه ما كان يتحمله المؤمنون الآخرون.

من جهة أخرى، كان عدد من القرشيين غير مقتنعين بما يفعله زعماؤهم المستبدون الرافضون لمبدأ الحوار الموضوعي مع النبي وأصحابه. هؤلاء القرشيون لم يدخلوا في دين الإسلام، لكنهم لم يكونوا راضين عن سياسة الحصار الشامل التي كانت سابقة غير معهودة في أعرافهم. ومع امتداد فترة الحصار، بدأت التشققات تظهر في معسكر المشركين، بينما حافظ معسكر المؤمنين على وحدته وتماسكه.

كان من بين الرافضين سرا لسياسة الحصار هشام بن عمرو بن ربيعة. كان رجلا شريفا انعقدت بينه وبين بني هاشم صلات وثيقة، فلم يرتح أبدا لفكرة أن يكون شريكا في تجويعهم وعزلهم. لذلك حاول في مرحلة أولى أن يخرق الحصار سرا، وكان يحمل الطعام على جمله في العديد من الليالي، ويتسلل به الى مكان قريب من شعب بني هاشم ثم يرسله، فيصل الجمل بتلك الإمدادات الغذائية الضرورية جدا للمسلمين المحاصرين.

لكن تلك المحاولات السرية لاختراق الحصار لم ترض طموحه، فكان أن انتهج سياسة جديدة. ذهب أولا الى قريب من أقرباء بني هاشم اسمه زهير بن أبي أمية بن المغيرة، وأمه من بنات عبد المطلب، وفاتحه في أمر إفشال سياسة الحصار.

حاول هشام أن يستفز عوامل النخوة والمروءة في مخاطبه، فسأله: كيف يرضى لنفسه أن يعيش هانئا مطمئنا، يرفل في أحسن الثياب ويأكل أحسن الطعام بينما أقاربه محاصرون لا يقدرون على شراء حاجياتهم من أحد ولا يستطيعون بيع ما عندهم لأحد؟ حتى الزواج منعوا منه، وأبناؤهم وبناتهم ممنوعون من الزواج ببقية شباب قريش! وزاد هشام فحلف بالله أن أبا جهل، أشهر أنصار سياسة المقاطعة، ما كان ليقبل بها لو كان الضرر واقعا على أقاربه هو. فكيف يرضى زهير بمقاطعة أقاربه؟ كيف يرضى بما لا يرضى به أبو جهل لنفسه وأهله؟

اقتنع زهير بما قاله هشام، غير أنه أعرب عن شكه في قدرة شخص واحد أن  ينجح في إقناع قريش أو إجبارها على نقض صحيفة المقاطعة الإقتصادية والإجتماعية للمسلمين.

كسب هشام أول مؤيد له، ثم عرض الأمر على المطعم بن عدي، وسأله إن كان يرضى الهلاك لبني عبد المطلب وبني هاشم تحت وطأة حصار هو شريك فيه وراض به. أنكر المطعم أن يكون راضيا بالمقاطعة، لكنه اعتذر  بأن نقضها أمر يصعب على شخص بمفرده. وعندما حدثه هشام بما كان من زهير بن أبي أمية، اقترح المطعم على هشام أن يحاول كسب نصير رابع.

وخلال أيام قليلة كسب هشام تأييد رجلين مؤثرين آخرين: البختري بن هشام، وزمعة بن الأسود. ثم عقد هشام وزهير والمطعم والبختري وزمعة اجتماعا مسائيا حاسما في بيت من بيوت مكة، وهناك “أجمعوا أمرهم وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. وقال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم. فلما أصبحوا غدوا الى أنديتهم، وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يباع ولا يبتاع منهم؟ والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.

فقال أبو جهل، وكان في ناحية من المسجد: كذبت. والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب. ما رضينا كتابها حيث كتبت. قال أبو البختري: صدق زمعة. لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ الى الله منها ومما كتب فيها. قال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. فقال أبو جهل: هذا أمر قضي فيه بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس بناحية المسجد.

فقام المطعم الى الصحيفة ليشقها، فوجد الأرضة  قد أكلتها، إلا باسمك اللهم”. (3)

وهكذا تكللت مساعي هشام بن عمرو بن ربيعة وأصحابه الأربعة بالنجاح الباهر، وسقطت بشكل رسمي سياسة الحصار الإقتصادي والإجتماعي التي استهدفت بني هاشم وأنصار النبي صلى الله عليه وسلم لمدة ثلاث سنوات.

ومع نجاح هذه المساعي تبين أيضا أن الأغلبية الصامتة في مكة المكرمة لم تكن كثيرة الحماس لسياسات زعمائها المستبدين، وأن عددا من قادة قريش كانوا ذوي خلق كريم ومروءة، مما جعلهم يتحركون لنقض الحصار رغم خلافهم الديني مع المسلمين.

وبقدر ما كشفت سنوات الحصار الظالمة حقيقة السياسات الإستبدادية الظالمة لزعماء المشركين في مكة، فإنها أثبتت أيضا تمسك المسلمين بعقيدتهم، والتفافهم القوي حول النبي صلى الله عليه وسلم، كما بينت مجددا شجاعة أبي طالب وأكثر زعماء بني هاشم ومروءتهم، بمن فيهم غير المسلمين منهم، الذين ناصروا المسلمين ودافعوا عن حقهم في عبادة الله الواحد الأحد والدعوة الى دينهم.

ولم يشذ من بني هاشم عن هذا السلوك النبيل غير شخص واحد من أعمام الرسول صلى الله عليه وسلم، هو عبد العزى بن عبد المطلب، المشهور باسم أبي لهب. كان عبد العزى يتبجح بمعاداته لرسول صلى الله عليه وسلم، ويفتخر بأنه خرج عن معسكر أهله وأقاربه من بني هاشم انتصارا للات والعزى، أبرز صنمين عند قريش. وكان يسخر مما جاء في القرآن الكريم وفي حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن البعث بعد الممات والحياة الآخرة، ويطلب على ذلك دليلا حسيا يلمسه بيديه. وكانت زوجته على ذات النهج، تنافسه في العداوة للإسلام، كانت تجمع الشوك وتضعه في طريق النبي. وقد سقطت سياسة الحصار بعد ثلاث سنوات من إعلانها، وانتصرت دعوة الإسلام في نهاية المطاف، وبقي أبو لهب وامرأته رمزين مشهورين في التاريخ بعداوتهما للمؤمنين ولحرية الإعتقاد.

انتهى الحصار واختلط المسلمون بقومهم من جديد في شعاب مكة. لكن الحرب الإعلامية والسياسية والأمنية ضدهم لم تتوقف. وقد خيل لزعماء قريش المستبدين أنهم وجدوا فرصة ذهبية لرد المسلمين الى دين اللات والعزى وبقية الأصنام الأخرى عندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بقصة الإسراء والمعراج: الإسراء به الى بيت المقدس والمعراج به الى السماوات العلى.

 

قصة الإسراء والمعراج

 

الإسراء والمعراج معجزتان من معجزات نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم. صلى النبي العشاء ذات مساء في مكة، ثم صلى فيها فجر اليوم التالي. وفي الساعات القليلة التي فصلت بين العشاء والصبح، شاء الله له أن يزور بيت المقدس ويصعد الى السماوات العلى ثم يعود الى مكة. قال عدد من علماء المسلمين أن ما حدث كان رؤيا حق في المنام. وقال أغلب العلماء أن الإسراء والمعراج حدثا للنبي صلى الله عليه وسلم بروحه وجسده.

تفاصيل الحدث أن الملاك جبريل جاء النبي ومعه دابة ذات سرعة خيالية، فركبها من مكة الى بيت المقدس. هناك وجد جمعا من الأنبياء الذين سبقوه، على رأسهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام جميعا، فصلى بهم إماما. ثم عرض عليه خمر ولبن، كل واحد منهما في آنية منفردة. فاختار النبي أن يشرب من آنية اللبن، وأعرض عن الخمر التي نزل في شأنها بعد سنوات وحي من الله يحرم شربها.

ثم شاءت الإرادة الإلهية أن يصعد محمد الى السماوات العلى، حيث أسرار الغيب التي حجبها الله عن عامة الناس. قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه:

“فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح. فقيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا فيها آدم. فقال هذا أبوك آدم فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال مرحبا بالإبن الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد (أي الملاك جبريل، ومعه النبي) حتى أتى السماء الثانية فاستفتح. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا الخالة. قال هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما. فسلمت فردا ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد بي الى السماء الثالثة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت إذا يوسف. قال هذا يوسف فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت الى ادريس، قال هذا ادريس فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا هارون. قال هذا هارون فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح.

ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا موسى. قال هذا موسى فسلم عليه. فسلمت عليه فرد، ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح”. (4)

لم تنته القصة بعد، ولكن هذا الترابط الجميل في القصة بين عدد من أنبياء الله، يذكر من جديد بالشجرة الإبراهيمية خاصة، وبوحدة الأسرة البشرية عامة. إن واحدا من أعظم وجوه جاذبية الإسلام هو هذا الإيمان العميق الذي ينطق به القرآن الكريم وتؤكده أحاديث الرسول صلى الله عليه سلم بأن الناس كلهم من عائلة واحدة، كرامتهم واحدة، وأنبيائهم ينهلون من مصدر واحد. أبوهم واحد، ومعادهم في النهاية الى خالقهم الواحد الأحد الذي لا شريك له. لا تمييز في الإسلام بين الناس على أساس اللون أو العرق أو الجنسية. والأديان التي يتخذها البعض ستارا لإشعال الحروب والسطو على ثروات الفقراء وتهديد السلام العالمي أصلها واحد، وأنبياؤها إخوة، وأتباعها مدعوون الى التعبير عن هذه الأخوة في حياتهم إن كانوا مخلصين حقا لتعاليم أنبيائهم.

نعود الآن الى قصة المعراج وقد وصل جبريل ومعه النبي محمد صلى الله عليه وسلم الى السماء السابعة. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

“ثم صعد بي حتى أتى السماء السابعة فاستفتح جبريل. قيل من هذا؟ قال: جبريل. قيل ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحبا به فنعم المجيء جاء. ففتح، فلما خلصت فإذا إبراهيم. قال هذا أبوك فسلم عليه. فسلمت عليه فرد السلام. قال مرحبا بالإبن الصالح والنبي الصالح”. (5)

ثم رفعت الحجب أمام النبي ليجد نفسه في سدرة المنتهى، وهي عبارة تدل على شدة القرب من الله تعالى. وهناك عرض عليه الخمر واللبن والعسل فاختار اللبن من جديد، ثم أبلغ بأن عدد الصلوات المفروضة عليه وعلى أمته خمسون صلاة في اليوم.

هنا يتجدد اللقاء والتواصل بين موسى عليه السلام الذي آتاه الله عز وجل التوراة وأشهر أنبياء بني اسرائيل، ومحمد بن عبد الله خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه القرآن الكريم واختاره خاتما للنبيين. وهما وجميع الأنبياء الآخرين تعاقبوا على بيان الدين الحق الذي يرضاه الله تعالى لعباده وسماه الإسلام، وسمّى أهله بالمسلمين، حتى في العهود السابقة لنزول الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم. دليل ذلك ما جاء في قوله تعالى: “وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ”. (البقرة: 132)، وقوله تعالى: “أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ”. (البقرة: 133)

يتضح من هذه الآيات أن كلمة “الإسلام” لها معنيان أساسيان، فهي من جهة اسم لكل الرسالات السماوية في التاريخ، وهي من جهة أخرى اسم يطلق على التعاليم التي جاء بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم وينتسب إليها المسلمون. وربما جاز القول أن المعنى الثاني اشتهر بين الناس والمؤرخين أكثر من المعنى الأول.

نواصل رواية الحديث النبوي الشريف عن قصة الإسراء والمعراج. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: “فرجعت فمررت على موسى فقال بم أمرت؟ قال أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال (موسى) إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. فرجعت فوضع عني عشرا. (يعني أن الله تعالى أنقص عدد الصلوات المفروضة على المسلمين الى أربعين). فرجعت الى موسى فقال مثله (أي أنه بيّن له أن العدد مازال فوق طاقة المسلمين). فرجعت (الى الله) فوضع عني عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا. فرجعت الى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم. فرجعت فقال مثله فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم.

فرجعت الى موسى فقال بم أمرت؟ قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم. قال إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع الى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال (أي النبي محمد صلى الله عليه وسلم) سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم. فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي”. (6)

الصلاة في الدين الإسلامي هي الركن الثاني أركانه الخمسة، وتأتي مباشرة بعد الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وتأتي بعدها بقية الأركان: الزكاة والصوم والحج لمن استطاع إليها سبيلا.

وتبين قصة الإسراء والمعراج أن هذا الركن العظيم من أركان الإسلام، ركن الصلاة، فرض على المسلمين في رحلة الإسراء والمعراج، وشارك في تحديد عدد الصلوات المفروضة نبي اليهود موسى من خلال نصائحه لخاتم النبيين محمد عليهما الصلاة والسلام.

لله تعالى حكمته في هذا التدبير، إذ من يستطيع أن يعترض على إرادة الله لو فرض على النبي وأمته خمس صلوات منذ البداية، أي قبل أن يستمع محمد إلى نصائح أخيه موسى، عليهما الصلاة والسلام؟ لا أحد يقدر على الإعتراض طبعا.

إن حكمة الله بأبعادها الكاملة أمر لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. ولكن ما يبدو لنا من ظاهرها أن الله تعالى أراد أن يذكر اليهود والمسلمين معا بالأرضية المشتركة بينهم، وبالأخوة الوثيقة بين موسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبالتقارب في شريعة الملتين. وربما جاز للباحث أيضا أن يستنتج من القصة أن اليهود والمسلمين مدعوون للحوار والتعاون والتقارب في ضوء التعاليم والمبادئ التي جاء بها موسى عليه الصلاة السلام، ثم جددها وأتمها وأكملها محمد عليه الصلاة والسلام.

كل مسلم يقرأ قصة الإسراء والمعراج يزداد حبه لموسى أشهر أنبياء بني اسرائيل، ويشهد أنه صدق في نصحه لخاتم النبيين عليهما السلام. عدد كبير من المسلمين يتقاعس في أداء الصلوات الخمس، فكيف بهم لو كانت خمسين؟!

الرسول والصديق

 

حفظ القرآن الكريم قصة الإسراء، ونزلت سورة كاملة باسمها، للدلالة على ضخامة الحدث وأهميته. تبدأ السورة بهذه الآية:

“سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام الى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير”. (الإسراء: 1)

وعندما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعد عودته إلى مكة عامة الناس بهذه القصة المثيرة، والمعجزة الكبرى، لم يصدقها كثير منهم، ووجد فيها كفار قريش فرصة للتشكيك في صدق النبي صلى الله عليه وسلم والقول ببطلان نبوته.

حتى داخل الصف المسلم، حصلت بلبلة، وارتد بعض المسلمين غير مصدقين لما جرى. لم يكن المرتدون من مشاهير المسلمين، فحرص كفار قريش على تشكيك كبار الصحابة، وفي مقدمتهم أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

جاء عدد منهم إليه وقالوا له: “هل لك يا أبو بكر في صاحبك، يزعم أنه قد جاء هذه الليلة بيت المقدس وصلى فيه ورجع الى مكة. فقال لهم أبو بكر: إنكم تكذبون عليه. فقالوا بلى، ها هو ذاك في المسجد يحدث به الناس. فقال أبو بكر: والله لئن كان قاله لقد صدق، فما يعجبكم من ذلك؟ فوالله إنه ليخبرني أن الخبر ليأتيه من السماء الى الأرض في ساعة من ليل أو نهار فأصدقه، فهذا أبعد مما تعجبون منه”. (7)

عند عموم المسلمين قديما وحديثا، يعتبر أبو بكر الرجل الثاني مقاما واحتراما وتبجيلا في تاريخ الإسلام، مباشرة بعد النبي صلى الله عليه وسلم. إن جوابه على المشككين كان حاسما، لأن من يصدق نزول الوحي على النبي لا يجد مشقة في تصديق واقعة الإسراء والمعراج.

مضى أبو بكر الى النبي وسأله إن كان ما يقوله الناس صحيحا فأكد له الخبر. عندئذ طلب منه أن يصف له بيت المقدس لأنه سبق أن زارها من قبل. ورفعت الحجب أمام الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ربه العزيز القدير فبدأ في وصف بيت المقدس وصف من يراه أمامه، كلما أتم وصف قسم منه قال أبو بكر: صدقت، أشهد أنك رسول الله.. “حتى إذا انتهى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: وأنت يا أبا بكر الصديق، فيومئذ سماه الصديق. (8)

هذا هو سر تسمية أول البالغين إسلاما وأول الخلفاء الراشدين بلقب الصديق. آمن بأن محمدا رسول الله، وبأن الوحي يأتيه من عند الله، فلم يرتبك ولم يتشكك عندما جاءه خبر الإسراء والمعراج، لأنه يثق بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم عزز هذه الثقة بالدليل بعد سماعه مباشرة من خاتم النبيين. وبقي هذا نهجه طيلة صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، مصدقا له ومؤازرا ونصيرا.

استمر النبي في دعوة الناس للإسلام كما كلفه ربه، واستمر يقرأ عليهم ما يوحى به إليه من القرآن الكريم. مرت بنا سورة الإسراء قبل قليل، ولعله من المفيد أن نتوقف معها للحظات، لأن بعض آياتها الأخرى تساعد كثيرا على فهم طبيعة الرسالة التي كلف محمد صلى الله عليه وسلم بإبلاغها لقريش وللناس كافة في كل زمان ومكان.

جاء في هذه السورة الكريمة:

“لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا. وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما. وقل لهما قولا كريما. واخفض لهما جناح الذل  من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. ربكم أعلم بما في نفوسكم: إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورا. وآت ذا القربى حقه، والمسكين، وابن السبيل. ولا تبذر تبذيرا. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا. وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها، فقل لهم قولا ميسورا. ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا. إن ربك يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر، إنه كان بعباده خبيرا بصيرا. ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق، نحن نرزقهم وإياكم. إن قتلهم كان خطئا كبيرا. ولا تقربوا الزنا، إنه كان فاحشة وساء سبيلا. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا. وأوفوا الكيل إذا كلتم. وزنوا بالقسطاس المستقيم. ذلك خير وأحسن تأويلا. ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا. ولا تمش في الأرض مرحا. إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا. كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها. ذلك مما أوحى اليك ربك من الحكمة. ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا”. (الإسراء: 22-39)

هذه ملامح مهمة من رسالة الإسلام: دعوة لعبادة الله وحده لا شريك له، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ومساعدة المحتاجين، واجتناب الكبائر مثل القتل والزنا، والصدق، والوفاء بالعهد، وحفظ حقوق اليتامى، والعدل والنزاهة في المعاملات التجارية، والتواضع.

هذا دين محمد صلى الله عليه وسلم الذي خاطب به أهله في مكة. غير أن طغاة قريش كانوا قد أسلموا عقولهم إلى الماضي الموروث والمصالح الدنيوية الزائلة، وإلا فكيف يقبل عاقل على نفسه أن يعبد صنما يصنعه بيديه، أو أن يجعل بينه وبين الله شفيعا ووسيطا، وأبواب الله مفتوحة لعباده جميعا، وآياته البينات تدعو الناس جميعا للتوجه بدعائهم لله وحده: ” وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين”. (غافر: 60)“، كما تؤكد هذا المعنى في موضع آخر  بلسان عربي مبين: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ”. (البقرة: 186)؟

طغاة قريش أسلموا عقولهم إلى ما ورثوه عن آبائهم وأجدادهم. وقد سجل القرآن الكريم موقفهم هذا وأدانه: “وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ”. (البقرة: 170)

ليست المفاهيم والتقاليد الموروثة عن الآباء والأجداد صحيحة دائما كما تدل هذه الآية الكريمة. ولا يكفي للإنسان أن يقول لكل من يدعوه إلى التوحيد والتجديد والإصلاح إنه ملتزم بالقديم والموروث، فأحيانا كثيرة يكون الموروث بعيدا جدا عن الحق وواضح البطلان.

عام الحزن

 

استمر طغاة قريش يدافعون عن قديمهم، ويزيدون من كيدهم وحملتهم المعادية للدين الجديد ونبيه وأنصاره. ولما دخلت دعوة الإسلام عامها العاشر زادت الحملة واشتدت. سمى النبي صلى الله عليه وسلم ذاك العام عام الحزن.

فماذا جرى يا ترى؟

أولا: ماتت أعظم امرأة في تاريخ الإسلام. وثانيا: مات الرجل الهاشمي القرشي الشهم الشجاع أبو طالب.

ماتت أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من بعد أن سطرت في تاريخ الإسلام والإنسانية مواقف لن ينساها المسلمون ولن ينساها التاريخ. كيف لا وهي أول من آمن بالنبي، وآزره، وأيده، وأخلص له، ونصح له، ووقف معه بشموخ وصمود في كل الأوقات الصعبة. لم يحفظ عليها التاريخ موقف شك أو لحظة تردد. إن مواقفها الكريمة، ومكانتها الرفيعة عند الله عز وجل، وعند النبي صلى الله عليه وسلم، وعند المسلمين، كانت دائما وستبقى الرد المفحم على كل من يحاول ايجاد فجوة أو جفوة بين المرأة والشريعة الإسلامية.

عاشت أم المؤمنين خديجة مع النبي صلى الله عليه وسلم ربع قرن من الزمان في أجواء الحب العميق والثقة الكاملة، ولم يتزوج عليها أبدا بأي امرأة أخرى طيلة هذه الفترة رغم أن تعدد الزوجات كان قاعدة ذاك الزمان. ولما تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم بنساء أُخَر بعد وفاتها، قالت أقرب امرأة الى نفسه منهن، أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها وعن أبيها: “ما غِرتُ على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم إياها.  قالت: وتزوجني بعدها بثلاث سنين. وأمره ربه عز وجل أو جبريل عليه السلام أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب”. (9)

وقال عنها الكاتب المصري المعروف، العالم الأزهري، الشيخ محمد الغزالي رحمه الله:

“أما خديجة فهي صِدّيقة النساء، حنت على رجلها في ساعة قلق، وكانت نسمة سلام وبر، رطبت جبينه المتصبب من آثار الوحي، وبقيت ربع قرن معه، تحترم قبل الرسالة تأمله وعزلته وشمائله، وتحمل بعد الرسالة كيد الخصوم وآلام الحصار ومتاعب الدعوة. وماتت والرسول صلى الله عليه وسلم في الخمسين من عمره، وهي تجاوزت الخامسة والستين. وقد أخلص لذكراها طوال حياته”. (10)

وفي ذات العام الذي ماتت فيه خديجة أم المؤمنين، مات أبو طالب. مات الرجل الذي حمى النبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياته، على مقتضى الأعراف القبلية التي كانت سائدة في عصره، بحيث حال بين زعماء الشرك والإستبداد في مكة وبين أن يستهدفوا الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة بعدوانهم وظلمهم. كان في شهامته ومروءته وكرامة نفسه يغرف من بحر بلا قرار. ولا يوجد في تاريخ الإسلام أبدا أنه ساوم النبي على الحماية التي وفرها له، أو طلب مقابلها ثمنا من أي نوع.

جاءه زعماء الشرك والإستبداد في قريش يوما يحملون عرضا عجيبا لفك التحالف بينه وبين الرسول صلى الله عليه وسلم. جاؤوا ومعهم واحد من أبناء العائلات العريقة المشهورة بينهم، شاب وسيم فيه أمارات الذكاء والشخصية المستقلة، وعليه دلائل النعمة، اسمه عمارة بن الوليد بن المغيرة. ثم قالوا لأبي طالب: خذه فلك عقله ونصره، واتخذه ولدا فهو لك. وأسلم إلينا ابن أخيك، هذا الذي خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فنقتله، فإنما هو رجل برجل.

فقال (أي أبو طالب): والله لبئس ما تسومونني. أتعطونني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه. هذا والله ما لا يكون أبدا. فقال المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف بن قصي: والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا. فقال أبو طالب للمطعم: والله ما أنصفوني، ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي فاصنع ما بدا لك”. (11)

لكل هذا كان موت أبي طالب مصابا عظيما للنبي صلى الله عليه وسلم وللمسلمين. وبعد وفاته، أسرفت قريش في عداوتها للرسول.

ذات يوم، تجرأ أحد السفهاء فنثر ترابا على رأس النبي. دخل النبي بيته، وساعدته إحدى بناته في تنظيف رأسه وهي تبكي، فأمرها بالصبر، وأكد لها أن الله سيحفظه، وأضاف شهادة صريحة في حق الرجل العظيم الذي رحل: “ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب”. (12)

تغيرت الظروف تغيرا كبيرا بعد وفاة أم المؤمنين خديجة وأبي طالب، وأصبح واضحا أن النبي صلى الله عليه وسلم لن يجد في مكة من يعوضه عن حماية عمه، لذلك بدأ في البحث عن البديل، وخطط للإتصال بزعماء عدد من القبائل الأخرى غير قريش.

وفي هذا السياق جاء قراره بزيارة أهل الطائف لعرض الإسلام عليهم وطلب الدعم والحماية منهم.

 

رحلة الطائف

 

الطائف مدينة حصينة في أعالي الجبال، تقع في الجنوب الشرقي لمكة المكرمة، وتبعد عنها أقل من مائة كيلومتر. هواؤها المنعش العليل جعل منها قبلة للمصطافين الفارين من الحر في مكة والرطوبة في جدة. أهلها ينتسبون لقبيلة ثقيف، وهم مشهورون بالشجاعة، ولهم في الجزيرة العربية مقام مبجل محترم، وقادرون إن اقتنعوا وتحمسوا على حماية النبي صلى الله عليه وسلم من حملة القمع التي يتعرض لها هو وأصحابه من قبل الكفار المتسلطين في قريش.

قصد النبي الكريم الطائف وحده، وهناك تعرف الى ثلاثة إخوة من أبناء مسعود بن عمرو بن عمير، عبد ياليل ومسعود وحبيب، وكلهم كانوا من وجهاء قبيلة ثقيف وقادتها. جلس اليهم وحدثهم عن الإسلام وما فيه من رحمة للعالمين، ودعاهم إلى توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة، وتحرير العقول والنفوس من تقديس غيره، وعبادة غيره، ودعاء غيره من حجر وبشر. ودعاهم إلى فعل الخير ومكارم الأخلاق، وطلب منهم النصرة والحماية والتأييد.

وعندما نطق أبناء مسعود بن عمرو بن عمير بردودهم، أدرك النبي صلى الله عليه وسلم أنه خاطب عقولا سيطر عليها التعصب الأعمى، وأفقدها حتى الأساسيات من آداب التعامل مع الضيف أو الغريب.

قال واحد منهم: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك؟ وقال آخر في عناد وقلة أدب: والله لا أكلمك أبدا. لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك.

عجيب أمر خصوم الإيمان وخصوم دعاة العدل والحرية في كل عصر. إن السمة التي تميز أكثرهم هي أنهم لا يتيحون فرصة لصاحب الحق كي يدافع عن نفسه ويشرح رأيه، ويكرهون بشكل خاص أن يدخلوا معه في حوار موضوعي، كأنهم يعرفون سلفا أن نتيجة الحوار لن تكون لصالحهم.

وقد حاول النبي أن يدخل في حوار جاد مع هؤلاء الإخوة الثلاثة ومع آخرين من أهل ثقيف، لكنهم صدوه بجفاء. ثم لم يكتفوا بذلك، وإنما فعلوا ما هو أسوأ: حرضوا عددا من خدمهم وسفهائهم على التهجم على النبي، فأحاطوا به وهو في طريق العودة الى مكة، بعد أن قرر مغادرة هذه المدينة التي أغلقت عقلها وسمعها عن دعوته، ثم بدأوا يسبونه ويصيحون به ويرمونه بالحجارة.

وقد جلب المشهد فضول أناس آخرين حتى كبر الجمع المناهض للنبي، وهو عليه الصلاة والسلام صابر يتحمل الأذى، وقد دميت قدماه من حجارة أؤلئك المتعصبين المتشددين وأعوانهم من السفهاء والمجرمين. واستمر أولئك السفهاء في فعلهم الشنيع، إلى أن لجأ النبي صلى الله عليه وسلم الى بستان بعيد، يملكه عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة بن ربيعة، وجلس يستريح مما لحق به تحت ظل شجرة في ذلك البستان.

إن طريقه في إبلاغ الإسلام لقومه وللناس كافة لم يكن ممهدا بالأزهار والورود. هذا هو العام العاشر من عمر الدعوة، وها هي التضحيات المطلوبة منه ومن أتباعه تزيد وتكبر. أما الذين اتهموه في عصره، أو في العصور اللاحقة، أو في هذه الفترة التي علت فيها بعض الأصوات المتطرفة الكارهة للإسلام والمعادية لنبيه، والذين روجوا أن محمدا عليه الصلاة والسلام كان طالب ملك وزعامة ومال ومتعة، فقد عصفت الحقائق على أرض الواقع بأكاذيبهم.

ألم يعرض عليه قومه السيادة والملك؟ ألم يعرضوا عليه ما يريده من المال ليكون أغنى شخص فيهم، مقابل أن يتخلى عن دعوته؟ كل ذلك حصل، ورفضه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه كان نبيا من عند الله وليس طالب ملك وسيادة ومال.

لا شك أن اللحظة التي عاشها النبي بعدما جرى له من سفهاء الطائف كانت لحظة عصيبة وحزينة. فإلى من يلجأ يا ترى؟ لقد لجأ الى الرحمن الرحيم الذي يسمع ويرى. وفي تلك الساعة، دوّن المؤرخون واحدا من أجمل الأدعية في تاريخ الرسالات السماوية. قال النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه:

“اللهم اليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين: أنت رب المستضعفين وأنت ربي. إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم الى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك. لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك”. (13) 

لو طلب من الطلاب الممتحنين في سنة التخرج في شعبة الفلسفة أو شعبة التاريخ، في جامعات القاهرة وتونس وكامبريدج وهارفرد وبيكين وجاكرتا وطوكيو ونيامي ومراكش وباريس، أن يتخيلوا دعاء نبي الإسلام في تلك الساعة، أكانوا يتخيلونه على هذا الوجه يا ترى؟ أكانوا يتخيلونه من دون كلمة ذم واحدة لأهل الطائف، ومن دون دعوة سوء واحدة على الذين طاردوه وسبوه وأدموا قدميه بالحجارة؟ أكانوا يتخيلون أن أكبر ما كان يشغل النبي في تلك اللحظة، هو أن لا يكون العناء الذي لقيه علامة غضب من ربه عليه؟

هذا الدعاء الجميل يجلي شخصية نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام في ساعات الشدة. إنه عبد من عباد الله، راض بأن يقدم كل ما في وسعه من أجل تبليغ الرسالة التي كلفه الله بها، وأن يتحمل في سبيل ذلك كل ما يلقاه من الأذى، ومنتهى رجائه ألا يغضب الله منه أو يسخط عليه. ليس فيما قال دعوة واحدة على خصومه الذين آذوه إذاية شديدة. وحتى عندما واساه الملاك جبريل، وأبلغه أن الله تعالى قادر أن يطبق الجبلين المحيطين بالطائف على أهل ثقيف، لم يطلب النبي النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وبيّن ما كان يرجوه ويتطلع إليه. قال: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا. وقد تحقق فعلا ما تطلع اليه النبي، وغدت الطائف بعد سنوات قليلة من تلك الحادثة مدينة من مدن الإسلام، وعوضت أجيالها المتلاحقة بخدماتها الكثيرة المتصلة للإسلام وقيمه النبيلة عن ذلك الموقف السيء لأبناء عمرو بن عمير وسفهائهم.

 شعر أصحاب البستان عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة بالعطف على النبي صلى الله عليه وسلم فأمرا خادما لهما اسمه عداس بأن يحمل اليه طبقا من العنب. قال النبي قبل أن يأكل: بسم الله. فاستغرب الخادم وعلق بأن أهل ثقيف لا يقولون هذه العبارة عند أكلهم. عندئذ سأله النبي عن بلاده ودينه، فأخبره أنه مسيحي من أهل نينوى في العراق. فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “من قرية الرجل الصالح يونس بن متى. فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك أخي. كان نبيا وأنا نبي. فأكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه”. (14)

هذا رجل مسيحي كريم آخر يظهر في ثنايا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يلقى النبي للحظات قليلة فيعرف صدقه وقدره. وحتى عندما صده الرجلان الذين يعمل عندهما عن تقبيل رأس النبي ويديه وقدميه، فإنه أجاب أحدهما: “يا سيدي، ما في الأرض شيء خير من هذا. لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي”. (15)

لقد نطق عداس بالحقيقة الكبرى في عصره: ما كان في الأرض في تلك اللحظة خير من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا من الرسالة التي كلفه الله بإبلاغها للناس. وما أجمل أن تصدر مثل هذه الشهادة الصادقة في نهاية رحلة دامية محزنة للنبي، وأن ينطق بها رجل منصف من أتباع المسيح عيسى عليه السلام، ليؤكد مرة أخرى الرابطة القوية الوثيقة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وبين من يؤمن بالمبادئ العظيمة التي دعا لها هذان النبيان الكريمان، وليدحض ويسقط حجج كل الذين يحاولون تهديد السلام العالمي عبر أشعال الفتنة والحروب بين المسلمين وأهل الكتاب.

 

عرض بني عامر

 

عاد النبي الى مكة لا تراوده ذرة من يأس على الرغم من التجربة المؤلمة التي واجهها في الطائف، واستمر يعرض أمره على زوار مكة من رؤساء القبائل وغيرهم، يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، والكف عن عبادة الأصنام، ويدعوهم إلى الصلاة والزكاة وصلة الرحم ومساعدة المحتاجين وحفظ حقوق اليتامي والصدق والوفاء بالعهود، وكل الأخلاق الكريمة الجميلة، ويدعوهم أيضا إلى نصرته حتى يبلغ رسالة ربه الى الناس. لكنه كان كلما تحدث الى وفد من الوفد الزائرة لمكة، سلطت قريش واحدا من قادتها ليكذب ما قال وليحذر الناس من الإستماع له ومن اتباع دعوته.

وكان من بين من تحدث اليهم وفد قبيلة بني عامر بن صعصعة. فلما سمعوا منه ما قال توسموا فيه الصدق وتوقعوا له النجاح، ورأوا أن تحالفهم معه قد يجعلهم سادة على غيرهم من القبائل العربية، فعرضوا على النبي أن ينصروه ويكونوا له قوة وسندا، واشترطوا لذلك أن يتعهد لهم بأن يجعل لهم الملك والسيادة من بعده إذا انتصر على خصومه.

هؤلاء أيضا ظنوا النبي صلى الله عليه وسلم باحثا عن ملك وسيادة، فساوموه بظنهم، والنبي أبعد ما يكون عن هذا، تشغله الرسالة العظيمة التي كلف بإبلاغها للناس عن اللهاث وراء مجد سياسي زائل ناله حكام كثيرون من أول الدهر حتى يومنا هذا وحتى آخر الدهر، ولم يكن لهم أثر إيجابي يذكر على حياة معاصريهم أو في مسيرة بلدانهم من بعدهم، ولم يكتب التاريخ عنهم سطرا واحدا أوسطرين.

رفض النبي عرض وجهاء بني عامر بن صعصعة وبيّن لهم أن المُلكَ من علم الله وأمره، يضعه حيث يشاء، فنكصوا على أعقابهم وأعرضوا عن فكرة الدخول في الإسلام.

ولاشك أن النبي كان محظوظا بتراجع أمثال هؤلاء الباحثين عن السلطة والملك. ففي تلك الظروف العصيبة من تاريخ الإسلام، كان واضحا ومؤكدا أن النبي لن ينتصر بالإنتهازيين الذين تحركهم دوافع مصلحية لا تساوي شيئا في ميزان التاريخ وفي ميزان المعركة الفكرية والأخلاقية التي كانت تدور بين الإسلام والشرك، بين رسالة تجدد مبدأ الإيمان بالله الواحد الأحد، وتدعو إلى العدل والحرية والإيمان، وبين ثقافة تستعبد الناس للأصنام، أو لبعض البشر الذين تنسب إليهم القداسة، وتميز بني الناس على أساس ألوانهم وأموالهم وقبائلهم.

كان النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة الى أنصار أقوياء يقبلون دعوة الإسلام بعقولهم وقلوبهم، ليكونوا له السند الذي يحتاجه من أجل تغيير مجرى التاريخ.

وفي تلك المرحلة، وبعد أكثر من عشر سنوات من الدعوة والتبليغ والكفاح والتضحيات، كانت الظروف والشروط الضرورية قد اجتمعت ليظهر فيها مثل هؤلاء الأنصار.

 

(1)  ـ سيرة ابن هشام. ص 296

(2)  ـ سيرة ابن هشام. ص 297

(3) ـ سيرة ابن هشام. مصدر سابق. الجزء الثاني. ص 18

(4) ـ صحيح البخاري، الجزء الثاني. طبعة دار احياء الكتب العربية، بدون تاريخ. ص327

(5) ـ نفس المصدر. ص 237-238

(6) ـ نفس المصدر. ص 238

(7) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 33-34

(8) ـ المصدر السابق. ص 34
(9) ـ صحيح البخاري. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 315

(10) ـ محمد الغزالي، فقه السيرة. الطبعة الثانية. (القاهرة: دار الدعوة، 1989) ص 143

(11) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الأول. مصدر سابق. ص 240-241

(12) ـ المصدر السابق. الجزء الثاني. ص 46

(13) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الثاني. مصدر سابق. ص 48

(14) ـ المصدر السابق. ص 49

(15) ـ  المصدر السابق. ص 49

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل الثالث من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: