الفصل التاسع من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

عنوان هذا الفصل: زيجات النبي صلى الله عليه وسلم

  

انتهى العام الهجري الخامس بالهزيمة والفشل الكبير للأحزاب التي هاجمت المدينة المنورة في حشد عسكري كبير بغرض استئصال الإسلام ونبيه. وأقبل عام هجري جديد، سعى فيه المسلمون لقلب الموازين، وإفهام القبائل المعادية المحيطة بهم أن مشروع استئصال الإسلام مشروع مستحيل التنفيذ. وفي نفس الوقت استمر النبي صلى الله عليه وسلم في أداء رسالة الله إلى الناس، يبلغهم القرآن الذي يوحى إليه، ويأمرهم بالمعروف والعمل الصالح والكلمة الطيبة ومحبة الله وعباده، وينهاهم عن المنكر والأعمال السيئة والأقوال الفاحشة وثقافة الحقد والكراهية.

من الأعمال الصالحة التي جعلها الإسلام ركنا من أركانه الأساسية صوم شهر رمضان، وقد أمر القرآن الكريم بصيامه في العام الثاني للهجرة النبوية. وفي ذات العام فرضت الزكاة كضريبة مفروضة على الأغنياء لمساعدة الفقراء وتأسيس قاعدة قوية للعدالة الإجتماعية. ورغب النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه في صوم العاشر من محرم من كل عام لإحياء ذكرى نجاة موسى عليه السلام وأتباعه من اليهود من جيش فرعون الباطش المعتدي. واعتبر صوم العاشر من محرم سنة مستحبة للمسلمين، في لفتة أخرى تؤكد التواصل الروحي والتاريخي بين اليهود والمسلمين خاصة، وبين أبناء العائلة الإبراهيمة بشكل عام.

ثم شرعت صلاة العيد، وزكاة الفطر، وهي ضريبة إضافية يدفعها القادرون من المسلمين قبل ثلاثة أيام من العيد لضمان تأمين شروط الإحتفال السعيد به من كافة أفراد المجتمع، أغنياء وفقراء. وفي العام الهجري الثاني، صلى النبي وأصحابه صلاة عيد الإضحى لأول مرة، وقدم النبي أضحيته في العيد، وكذلك فعل أصحابه، إحياء لذكرى فداء اسماعيل النبي، ابن إبراهيم الخليل أبي الأنبياء. وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم أركان الإسلام في حديث بين واضح: “بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان”. (1)

وفي العام الثاني للهجرة أيضا، تزوج عثمان بن عفان رضي الله عنه، الخليفة الثالث في تاريخ الإسلام، بأم كلثوم رضي الله عنها،  بنت النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ماتت عنده أختها رقية رضي الله عنها، ولذلك سمي الرجل بعثمان ذي النورين، لزواجه من ابنتي رسول الله. أما فاطمة رضي الله عنها، بنت النبي صلى الله عليه وسلم، فقد تزوجها ابن عم أبيها، على بن أبي طالب رضي الله عنها، الخليفة الرابع في تاريخ الإسلام. وبعد عام واحد، رزق علي وفاطمة بمولودهما الأول، الحسن، وفي العام الهجري الرابع ولد لهما الحسين، رضي الله عنهما.

أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد تزوج بعد هجرته إلى المدينة بعائشة بنت أبي بكر الصديق بعد أن تم التفاهم على الزواج أصلا قبيل الهجرة. وفي العام الهجري الرابع، توفي أبو سلمة عبد الله بن الأسد المخزومي، رضي الله عنه، وهو ابن عمة النبي صلى الله عليه وسلم. وبعد فترة من وفاته، تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بأم سلمة رضي الله عنها، أرملة أبي سلمة، إكراما لها وتقديرا لما تحملته في سبيل دينها، خاصة وأنها كانت من ضمن من هاجر من المسلمين إلى الحبشة في السنوات الأولى لبروز الدعوة الإسلامية.

ولعل هذه فرصة مناسبة لتخصيص بعض فقرات هذا الكتاب لموضوع زيجات النبي صلى الله عليه وسلم.

كانت أكثر زيجات النبي مبادرات تواصل إجتماعي مع شخصيات وقبائل بارزة في مجتمعه، فهو تزوج سودة بنت زمعة في مكة بعد وفاة زوجته الأولى خديجة. وكانت سودة رضي الله عنها أرملة مات عنها زوجها وابن عمها السكران بن عمرو.

وبعد هجرته إلى المدينة بسبعة أشهر، تزوج عائشة بنت صديقه أبي بكر الصديق، الخليفة الأول في تاريخ الإسلام، وكانت البكر الوحيدة التي تزوجها نبي الإسلام.

وفي السنة الثالثة للهجرة تزوج حفصة رضي الله عنها، بنت عمر بن الخطاب، الخليفة الثاني في تاريخ الإسلام، بعد أن مات عنها زوجها خنيس بن حذافة.

وفي العام الرابع للهجرة، تزوج زينب بنت خزيمة، رضي الله عنها، بعد أن استشهد زوجها الأول عبد الله بن جحش رضي الله عنه في معركة أحد. وكانت زينب امرأة صالحة مشهورة بعطفها على المحتاجين، اشتهرت باسم أم المساكين، ولم تعش بعد زواجها من النبي إلا شهرين أو ثلاثة.

وفي شوال من نفس العام تزوج أم سلمة هند بنت أبي أمية رضي الله عنها، إكراما لها، وهي أرملة ابن عمته أبي سلمة رضي الله عنه.

وفي ذي القعدة من العام الخامس للهجرة تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم أيضا من زينب بنت جحش رضي الله عنها، بنت عمته، بعد طلاقها من زيد بن حارثة رضي الله عنه، الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد تبناه منذ شبابه في مكة المكرمة، وقد ساهمت هذه الزيجة في توضيح موقف الإسلام من التبني ورفضه أن يقوم الناس بادعاء أبوتهم للأبناء الذين يحتضنونهم ويرعونهم.

وفي شعبان من العام السادس للهجرة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم جويرية بنت الحارث رضي الله عنها، والحارث هو زعيم قبيلة بني المصطلق، وكان هذا الزواج سببا في تسوية آثار الخصومة والنزاع بين المسلمين وبين بني المصطلق.

كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أيضا من أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان بن حرب رضي الله عنها، وكانت هاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، لكنه غير دينه واعتنق المسيحية ومات هناك. أما هي فبقيت على دين الإسلام، وقد خطبها النبي صلى الله عليه وسلم من النجاشي ملك الحبشة فزوجه إياها في العام السابع للهجرة.

 وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم من صفية بنت حيى، وكان أبوها من زعماء القبائل اليهودية، في العام السابع للهجرة.

كما تزوج ميمونة بنت الحارث الهلالية في نفس العام بعد الفراغ من عمرة القضاء.

مات في حياة النبي من هؤلاء الزوجات خديجة بنت خويلد وزينب بنت خزيمة، ومات النبي عن تسع زوجات منهن.

ومن كل النساء اللاتي تزوجهن الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت عائشة وحدها المرأة البكر، والبقية أرامل ومطلقات. وسمى الإسلام نساء النبي صلى الله عليه وسلم “أمهات المؤمنين”.

وكان المقوقس حاكم مصر أهدى النبي صلى الله عليه وسلم جارية، على الأعراف الجارية في ذلك العصر، هي مارية القبطية، وقد أنجبت للنبي ولدا سماه إبراهيم، لكنه مات صغيرا في العام العاشر للهجرة. وكان للنبي صلى الله عليه وسلم سرية ثانية هي ريحانة بنت زيد، من نساء بني قريظة.

أم المؤمنين خديجة بنت خويلد كانت أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إلى قلبه. عاش معها حتى وفاتها لم يتزوج عليها. وكانت سودة زوجته الثانية في مكة امرأة كبيرة في السن. وهذا يدل دلالة قاطعة على أن دوافع النبي صلى الله عليه وسلم في زيجاته لم تكن شهوة في تعداد النساء، لأن ذلك لو كان يشغله لبادر إليه من شبابه.

تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة بقية نسائه لاعتبارات اجتماعية وشخصية وقبلية، صبت كلها في مصلحة الدعوة الإسلامية. فقد سمحت هذه الزيجات للنبي بتوثيق علاقته بأبرز الصحابة الذين ساندوه في كفاحه من أجل نشر دعوة الإسلام، أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان الذي تزوج اثنتين من بنات النبي. أما علي بن أبي طالب فقد صاهر النبي أيضا من خلال زواجه بفاطمة الزهراء بنت محمد بن عبد الله. وصاهر النبي أبا سفيان بن حرب زعيم طغاة قريش فخفف ذلك بشكل أو بآخر من حدة هذا الرجل ضد الدولة الإسلامية. وتزوج من جويرية بنت الحارث فأسهم ذلك في توثيق العلاقات بين المسلمين وبين قبيلة بني المصطلق بعد الحرب والخصومة.

يدل هذا على أن هذه المصاهرات سمحت بتوثيق العلاقات بين الدولة الإسلامية الناشئة وقبائل عربية أخرى، وتسهيل حل بعض المنازعات والخصومات، في بيئة عربية كانت ومازالت تسبغ الكثير من الإحترام والأهمية على النسب والروابط الأسرية.

ومع تأكيد أهمية هذه الإعتبارات في فهم زيجات النبي بعد الهجرة، فإن من الثابت أنه كان حريصا على أداء واجباته الزوجية مع نسائه، في جو من الحب والعطف والرعاية، ضمن ظروفه الخاصة التي جعلته يقضي تسعة أعشار وقته أو أكثر في إبلاغ رسالة الإسلام إلى العالم وفي تأسيس الدولة الإسلامية الأولى والدفاع عنها أمام أعدائها الكثر.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ملكا ولم يسكن زوجاته في قصور الملوك. كانت مكانته في نفوس أصحابه عظيمة وسامية، وكانوا يحبونه أكثر مما يحبون أنفسهم، لكنه لم يوظف مكانته هذه ليعيش عيشة الملوك، وبقي زاهدا في متاع الدنيا، يمر عليه الشهر والشهران دون أن توقد في بيته نار يطبخ عليها طعام له، وتمر عليه الأيام وهو يربط الحجر على بطنه من الجوع، وأكثر غذائه التمر والماء.

ولشد ما تضيق صدور بعض أعداء الإسلام في الماضي وفي الحاضر عند تذكيرهم ببعض هذه المعطيات. فهم حاولوا دائما ومازالوا يحاولون أن يجعلوا من تعدد زيجات النبي مصدرا للنيل منه ومن الإسلام. هؤلاء الخصوم يعارضون تعدد الزوجات في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وفي شريعة الإسلام بكل قوة، مع أنهم لا يمانعون أبدا في أن يخون الرجل زوجته ويعاشر العشرات من النساء معاشرة الخليلات، ومع أنهم يؤيدون إلغاء كل القيود على سائر أشكال العلاقات الجنسية بين الناس، بما في ذلك العلاقة بين الرجل والرجل، وبين المرأة والمرأة.

أما إذا تعامل هؤلاء الخصوم مع ظاهرة التعدد في بيئات غير إسلامية، مثل ما هو معمول به لدى كثير من القبائل الأفريقية، فإن اعتراضهم عليها يخف كثيرا ولا يكاد يسمع أبدا، الأمر الذي يعزز الإتهام بأن الموقف مبني على عداوة مسبقة تجاه الإسلام ونبيه وتعاليمه.

وقد سعى هؤلاء الخصوم دائما إلى تجاهل الطابع الإجتماعي والسياسي الهام لأكثر زيجات النبي صلى الله عليه وسلم، وحاولوا توظيفها للنيل من شخصيته، وتصويره على أنه طالب لذة.

لكن سعيهم هذا سرعان ما ينهار عندما ينظر أي طالب علم وأي باحث، بإنصاف وتجرد، في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويرى إعراضه عن الملذات في كل مراحل حياته، سواء عندما كان شابا، أو عندما عرض عليه زعماء قريش الملك والمال والنساء وتلبية كل ما يطلب لقاء تخليه عن الدعوة والإسلام، أو عندما أصبح رئيسا لدولة المدينة وزعيما للجزيرة العربية، وأصر مع ذلك على أن يعيش عيشة الفقراء، وقد كان بوسعه أن يكون أغنى ملوك زمانه لو أراد.

هذا كله مع العلم بأن تعدد الزوجات كان عادة شائعة في الجزيرة العربية آنذاك، ومازال تعدد الزوجات شائعا حتى اليوم في الكثير من المجتمعات القبلية غير المسلمة، وخاصة وسط العديد من القبائل الأفريقية التي يتزوج فيها الرجل الواحد بعشرات النساء.

أكرم النبي صلى الله عليه وسلم من تزوج بهن من النساء، وجمع بزواجه من بعضهن شمل أصحابه، ووطد العلاقة مع قبائل ودول، وقدم في حياته معهن المثال الصالح للزوج الصالح الذي يعامل زوجاته بأعلى درجات الخلق الرفيع، رغم ظروفه الشخصية الإستثنائية كرسول اصطفاه ربه لإبلاغ رسالة الإسلام للدنيا بأسرها.

كان سلوكه سلوك الأنبياء والزعماء والمصلحين العظام بدون ريب ولا شك، وهو منهج التزم به النبي في كل مراحل حياته، وضرب به المثل للمسلمين وغير المسلمين، ولذلك شهد له القاصي والداني بالنبل والكرم والتواضع والرحمة والشجاعة والإيثار، وشهد له القرآن الكريم في آية جامعة: “وإنك لعلى خلق عظيم”. (القلم: 4)

أوضح القرآن الكريم والنبي صلى الله عليه وسلم أن القاعدة العامة للزواج في المجتمعات المسلمة هي زواج الرجل بواحدة، كما كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم في مكة مع خديجة أم المؤمنين. وأباحت الشريعة الإسلامية للرجل الزواج بأكثر من زوجة واحدة، وبأربعة زوجات كحد أقصى، مع اشتراط العدل بين الزوجات. وقد اتجه عدد معتبر من علماء المسلمين المعاصرين إلى التضييق على ممارسة تعدد الزوجات ووضع شروط عديدة لها. وحرم الإسلام العلاقات الجنسية خارج الزواج ووضع لها عقوبات شديدة.

وفي كل الأحوال، فإن القاعدة السائدة في المجتمعات الإسلامية المعاصرة هي زواج الرجل بزوجة واحدة، وانحسار ظاهرة تعدد الزوجات إلى نسبة لا تصل معشار الواحد بالمائة في المجتمعات الإسلامية.

وبينما وافقت كثير من المجتمعات الديمقراطية على منح المرأة حق التصويت في الإنتخابات العامة في وقت متأخر من القرن الميلادي العشرين، فإن رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، رسالة الإسلام، منحت المرأة حق المساهمة في الشأن السياسي والشأن العام منذ البيعة الأولى في تاريخ الإسلام قبل الهجرة، وفي البيعة الرئيسية الثانية. كما منحتها حق حيازة ملكيتها الخاصة، وممارسة التجارة، والتصرف في أموالها بحرية، ومنحتها حقها في الميراث، وكل الحقوق الأساسية الأخرى التي كافحت المرأة لعدة قرون من أجل نيلها في العديد من المجتمعات غير المسلمة. وكانت الأرضية الدينية والقانونية لكل هذه الحقوق هي إقرار المساواة بين الرجل والمرأة:

“والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، ويطيعون الله ورسوله. أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم. وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، ومساكن طيبة في جنات عدن، ورضوان من الله أكبر. ذلك هو الفوز العظيم”. (التوبة: 71-72)

وعلى هذا الأساس الفلسفي والديني الذي يكفل كرامة المرأة وحقوقها السياسية والإقتصادية، ويعطيها مع الرجل صفة خليفة الله في الأرض، على هذا الأساس يمكن فهم التجاوب الكبير الذي أبدته المرأة قديما وحديثا مع تعاليم الإسلام، حتى أن أول إنسان آمن بالإسلام امرأة، وأول إنسان قدم حياته دفاعا عن إيمانه بالإسلام امرأة.

وعلى هذا الأساس أيضا يمكن فهم المكانة المتميزة التي بقيت للعائلة في المجتمعات الإسلامية، لأن الشريعة الإسلامية أكدت كرامة المرأة وحفظت حقوقها ضمن سياق أكبر أعطى حقوقا للآباء والأمهات، وللأبناء والبنات، وللأقارب عامة، حتى كانت رعاية صلة الرحم من التعاليم الرئيسية الثابتة في القرآن الكريم وفي توجيهات النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وللمسلمين على مر الأزمان.

وقد شرع الإسلام للمرأة المسلمة أن تترك التبرج وإظهار الزينة لغير محارمها. ورد ذلك قوله تعالى:

“وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون”. (النور: 31)

كما ورد ذلك قوله تعالى:

“يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا”. (الأحزاب: 59)

فهمت المرأة المسلمة من هذه التوجيهات، وفهم أكثر علماء الإسلام منها على مر العصور، أن اللباس الإسلامي للمرأة هو الذي يغطي جسدها كله إلا الوجه والكفين. وهذا هو بالمناسبة لباس السيدة مريم العذراء عليها السلام كما يصورها المسيحيون في كنائسهم، ولباس الراهبات المسيحيات قديما وحديثا.

هذا اللباس الإسلامي الذي يضمن تطبيق التوجيهات والأوامر الواردة في الآية 31 من سورة النور، والآية 59 من سورة الأحزاب، يسمح للمرأة المسلمة أن تؤدي دورها في المجتمع كإنسانة كاملة الحقوق والواجبات، ويحفظ كرامتها، ولا يلغي أنوثتها.

كما أنه يحمي المرأة من أن تستخدم كأداة للدعاية والإغراء والإغواء، كما هو شائع اليوم في كثير من المجتمعات العالمية، حيث تروج أكثر الشركات لمنتجاتها عن طريق المرأة، بعد أن تنزع عنها كل لباس تقريبا!!

هذا اللباس الإسلامي هو ما يسميه كثير من الناس بالحجاب، أو بارتداء الخمار. وقد قبلت النساء المسلمات عبر العصور هذا التوجيه والتزمت الأغلبية الواسعة منهن به، رغم أن القرن الماضي شهد قيام حملة واسعة لحث المرأة المسلمة على خلع الحجاب واعتباره من التقاليد البالية.

ويشهد كل من يتجول اليوم في شوارع القاهرة أو جاكرتا أو اسطمبول وأكثر المدن الإسلامية الأخرى في العالم أن أكثر النساء المسلمات يرتدين الحجاب، وأن المرأة المسلمة لم تر في ارتداء الحجاب ما يقلل من إنسانيتها أو ما يعوق أدائها لوظائفها المختلفة في المجتمع

والغريب أن العديد من خصوم الحجاب الذين يرون أنه ينتقص من حرية المرأة وكرامتها لا يعترضون سرا أو علنا على استخدام المرأة كأداة للإغراء والإثارة ووسيلة لترويج السيارات والعطور والصابون وأجهزة الكمبيوتر وعقود التأمين وقروض شراء المنازل.

كما هؤلاء المخاصمين لحجاب المرأة المسلمة لا يعترضون على الحجاب المماثل الذي تلتزم به الراهبات المسيحيات ونساء يتبعن ديانات وشرائع وتقاليد أخرى في أنحاء العالم، ويتناسون أن مريم العذراء عليها السلام كانت محجبة، وأن المسلمة المحجبة تحيي سنة هذه الصديقة الطاهرة المكرمة.

ولاشك أن المرأة المسلمة ما كانت لتلتزم بالحجاب لو كانت ترى فيه منقصة من كرامتها. كما أن الراهبة المسيحية ما كانت لتلبس حجابها لو كانت ترى فيه إهانة لها. ولكن المتشددين من خصوم الدين عامة، ومن الناقمين على الإسلام بوجه خاص عن جهل أو لاعتبارات أخرى غير موضوعية، وهم أقلية على الدوام، يرون في توظيف المرأة جسدا للإثارة والتسويق والإغراء ممارسة عادية لا تثير أي قلق أو اعتراض، بينما يظهر تعصبهم الشديد وتوترهم غير المبرر عندما تطالب امرأة مسلمة بحقها في الإلتزام بتعاليم دينها حول تغطية الشعر وارتداء لباس ساتر غير مثير، ويصيبهم حماس شديد لصياغة القوانين المقيدة للحريات إذا تعلق الأمر بالتضييق على حق المرأة المسلمة في ارتداء الحجاب.

وقبل نهاية هذا الفصل، تجدر الإشارة إلى المرونة التي تكتنف تطبيق التوجيهات الإسلامية فيما يخص لباس المرأة، ذلك أن عادات الناس في اللباس تتغير من بلد إلى آخر، ومن عصر إلى آخر. فأزياء النساء في الجزائر مثلا غيرها في إيران أو الهند. ولكل مجتمع أن يطور تقاليده الخاصة به في اللباس وأن يعتز بها أيضا. المهم بالنسبة للمرأة التي ترغب في الالتزام بتوجيهات القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة في أمر اللباس، هو أن تغطي شعر الرأس، وترتدي لباسا ساترا للجسد، لا يبدو منه إلا الوجه والكفان، مع حقها في تكييف ذلك مع تقاليد بلادها في اللباس، وهي تقاليد ثرية في المجتمعات الإسلامية، منها الجلباب المغربي، والسفساري التونسي، والثوب السوداني القريب من الساري الهندي، والعباية السعودية، والزي الشائع في مصر والشام القائم على توليفة بين الفستان والخمار، والساري الهندي وما يشبه من الأزياء في القارة الآسياوية، إلخ.

تتنوع الأزياء إذن ضمن الإلتزام بالتشريع الإسلامي في هذا الشأن، وهي جميعها تعبر خلال هذا الإلتزام عن تكريم المرأة، وتمكينهامن المشاركة في مجتمعها على قدم المساواة مع الرجل، كإنسان حر كريم، وليس كسلعة وأداة للإثارة والإغراء والتسويق.

 

(1) ـ صحيح البخاري. الجزء الأول. مصدر سابق. ص 11

 

 

 

 

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل التاسع من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: