الفصل السابع عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

 

                                                                    عنوان هذا الفصل: فصل عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم

 

قائد موكب المؤمنين العائدين من حجة الوداع إلى المدينة المنورة نبي مرسل وزعيم متوج، أمره نافذ في كل أنحاء الجزيرة العربية. جيشه هو الأكبر في المنطقة، وأصحابه يحبونه أكثر مما يحبون أنفسهم، وهيبته أصبحت أمرا مسلما به حتى من قبل قادة الإمبراطوريتين الرومانية والفارسية. فهل أثرت هذه السلطة الروحية والسياسية الفريدة على الإنسان النبي محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم؟ هل جعلته يسير في ما سارت فيه الأغلبية الساحقة من الملوك والحكام والقادة العظام قبله وبعده، من نزوع للتمتع بالجاه والسلطان والمال والتحكم في الرعايا والمواطنين؟ هل ظهر منه ما يمكن أن يستخدمه خصومه القدامى والمعاصرون حجة للتشكيك في نبوته أو في مقاصده؟ أم أنه لم يتأثر أبدا بهذا النفوذ الهائل والسلطان الكبير، وبقي مضرب المثل للبشرية كلها في الخلق النبيل الكريم؟

الجواب الصريح والمباشر هو أن انتصارات المسلمين على المشركين وعلى قوى الظلم والإستبداد في الجزيرة العربية لم تغير أبدا من أخلاق نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم، وأنه بقي طيلة حياته مثلا أعلى للخلق الكريم من كل وجوهه.

تعطينا كتب الحديث والسيرة الموثوقة المعتمدة لدى المسلمين وغيرهم إضاءات كثيرة عن شخصية نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم في كل مراحل حياته، ولعل من المناسب الآن أن نعرض عناوينها الرئيسية بعد أن ساد الإسلام في مكة المكرمة وفيما حولها من أجزاء الجزيرة العربية، مع الإشارة إلى أن هذا العرض سيكون مختصرا موجزا، لأن الوفاء بالموضوع كاملا يستحق لوحده أكثر من كتاب من مئات الصفحات.

كان محمد بن عبد الله رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم كريما يعطي بسخاء، وقد روى عبد الله بن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان. (1)

وقال أنس بن مالك: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء لا يخشى الفاقة. وأضاف أنس معلقا: إن كان الرجل لا يسلم، ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها. (2)

وقال جابر بن عبد الله، وهو من مشاهير صحابة النبي: ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فقال لا. (3) وقد رأى العرب صنيعه بعد حنين وأعطياته الجزيلة لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والحارث بن كلدة ومالك بن عوف وآخرين.

كان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم مضرب المثل في الجود والكرم مع عامة الناس، ولكنه لم يكن يستخدم المال العام للإنفاق على نفسه والصرف على رغبات أهل بيته، حتى أنه كان يمر الشهر والشهران من دون أن توقد نار لطبخ الطعام في بيت النبي.

قالت عائشة أم المؤمنين تحدث عروة ابن أختها: والله يا ابن أختي إن كنا ننظر إلى الهلال ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار. قال عروة: يا خالة، فما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان، التمر والماء، إلا أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار وكانت لهم منايخ (مواشي، إبل أو غنم)، وكانوا يرسلون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانها فيسقينا. (4)

كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم كلها كفاحا من أجل نشر عقيدة التوحيد، عقيدة الإيمان بالله وحده ربا وخالقا ومعبودا لا شريك له، وتبليغ رسالة الإسلام للناس أجمعين. وكان قلبه دائما متعلقا بالآخرة، فهي الحياة الحقيقية الدائمة، والتعلق بها يعطي الحياة الدنيا وزنها الحقيقي فلا يبيع الإنسان قيم الخير والفضيلة من أجل مكسب صغير من مكاسبها الوقتية الزائلة.

دخل عمر بن الخطاب يوما على النبي صلى الله عليه وسلم فوجده جالسا على حصير، عليه إزار ليس عليه غيره، ورأى الحصير قد أثر في جنبه، ورأى قليلا من الشعير في مسكنه، فبكى. وعندما سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن سبب بكائه قال: يا نبي الله مالي لا أبكي وهذا الحصير قد أثر في جنبك، وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى، وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار، وأنت نبي الله وصفوته وهذه خزانتك. وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم له: يا ابن الخطاب، أما ترضى أن تكون لنا الآخرة ولهم الدنيا؟ (5)

وليس معنى هذا أن نبي الإسلام لم يكن مهتما بالدنيا، فهو قضى حياته كلها في تعليم الناس كيف يعمّرون الدنيا من دون أن يضيعوا الآخرة، وكيف يسعدون في حياتهم الدنيا بعقيدة التوحيد وبمبادئ العدالة والحرية ومكارم الأخلاق. وهو حث الإنسان المؤمن في كل زمان ومكان على العلم والعمل الصالح إلى آخر رمق في حياته، وأوصاه أنه إذا قامت الساعة وفي يده فسيلة فليغرسها. قال عليه الصلاة والسلام في حديث صحيح أخرجه البخاري: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فاستطاع ألا تقوم حتى يغرسها، فليغرسها فله بذلك أجر”.

ولكن معنى جوابه لعمر بن الخطاب أنه يقبل أن ينشغل الحكام الآخرون المشار إليهم بمباهج الدنيا، ويرضى هو أن يتنازل عنها، وأن يكون متواضعا متقشفا، لا يبدد موارد المسلمين على القصور والمزارع وسائر المباهج الأخرى التي يطلبها الملوك والزعماء والأغنياء، يقدم المثل والقدوة لمن يخدم الناس من موقع القيادة، ويرضى بالشرف والمقام الرفيع الذي وعد به الله عز وجل أنبياءه والحكام العادلين المتواضعين في الآخرة.

التواضع كان سمتا أصيلا في خلق نبي الإسلام. وللذين يتكبرون على من يخدمونهم ويظنون أنفسهم من طينة أرفع من طينة البشر قصة تحرجهم كثيرا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم رواها أنس بن مالك. قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين، والله ما قال لي أفا (علامة تأفف وضيق وتبرم) قط، ولا قال لي لشيء لم فعلت كذا وهلا فعلت كذا. (6)

وكان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم متواضعا للناس كافة. طلبت امرأة من عامة الناس أن تحدثه في أمر يهمها دون أن يسمع كلامها بقية الناس فأجابها إلى طلبها وسمع منها قولها في مكان على الطريق العام حتى فرغت من عرض مسألتها. (7)

وروي عن أنس بن مالك أيضا أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده، وإن استقبله بوجهه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه، ولا يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له. (8)

كان تواضع النبي طبعا لا تطبعا، وسلوكا يوميا في حياته. جاءه رجل فارتبك من مهابته، فهون عليه، وذكره بأنه (أي النبي صلى الله عليه وسلم) ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد. وكان يزور المرضى ويخالط الفقراء والمساكين وأشد الناس بعدا عن التكبر والرياء والتفاخر. قالت زوجته عائشة: كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل بيده كما يعمل أحدكم في بيته، وكان بشرا من البشر يفلي ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه. (9)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في الأدب والخلق الرفيع  في كل أمره، حتى في شأن تفصيلي لا ينتبه إليه كثير من الناس. قال أبو هريرة: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم عاب طعاما قط. كان إذا اشتهاه أكله وإن لم يشتهه سكت. (10)

وقالت أم المؤمنين عائشة: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا إمرأة، ولا خادمة، إلا أن يجاهد في سبيل الله. وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه، إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله عز وجل. (11)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم محبا للصغار عطوفا عليهم، وكان يسلم عليهم إذا مر بهم في الطريق. روى أبو هريرة، وهو من مشاهير رواة الحديث النبوي، أن صحابيا يسمى الأقرع بن حابس أبصر النبي صلى الله عليه وسلم يقبل حفيده الحسن بن علي بن أبي طالب. فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنه من لا يَرحم لا يُرحم”. وقال النبي أيضا: “من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل”. (12)

وكان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم يوصي بالتيسير ويأخذ بالأيسر ما لم يكن إثما. قالت عائشة أم المؤمنين: ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه. وما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله عز وجل. (13)

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إنسانا يفرح ويحزن مثل عامة البشر. حضر وفاة إبنه إبراهيم وحضرها أنس بن مالك فقال: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا. والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون”. (14)

وكان نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم مشهورا بالحياء واحترام الناس والبعد عن القول الفاحش، وكان يحث الناس على الخلق الكريم، ويعتبر الأخلاق الفاضلة وجها رئيسيا للدين الإسلامي. قال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشد حياء من العذراء في خدرها. وكان إذا كره شيئا عرفناه في وجهه. (15)

وقال عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن فاحشا ولا متفحشا، وأضاف: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا”. (16)

وكان يعلم الناس ألا ينخدعوا بالمظاهر ولا يعبأوا بها كثيرا، ويقول لهم: “إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم”. (17)

وكان نبي الإسلام يوصي بمودة الجار والإحسان إليه، وبإكرام الضيف، ويقول: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه. ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت”. (18)

وكان يوصي ببر الوالدين ويعتبر من أفضل الأعمال عند الله، ويقول: “أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين”. (19)

وكان ينبذ العدوان على الناس بالسلاح وينبذ الغش، ويقول: “من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا”. (20)

وكان ينهى عن الظلم، ويقول عن ربه تعالى في حديث قدسي: “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”. (21) كما كان يحث المؤمنين على أن يعين بعضهم بعضا ويقول: “من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة”. (22)

وكان نبي الإسلام يوصي أصحابه بالكرم وبذل المعروف والعفو والتواضع. قال: “ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله”. (23)

وكان ينهى عن اللعن والسب والغيبة والنميمة، وينهى أيضا عن لعن الحيوانات. قيل له يوما: يا رسول الله: ادع على المشركين. قال: “إني لم أبعث لعانا وإنما بعثت رحمة”. (24)

وكان ينصح بالرفق، ويقول لزوجته أم المؤمنين بنت الصديق: “يا عائشة: إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي على ما سواه”. (25)

وكان يحب الصدق ويوصي به، ويكره الكذب ويحذر منه. قال: “إن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا”. (26)

وكان ينهى عن تعذيب الناس ويحذر منه تحذيرا شديدا، ويقول: “إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا”. (27)

وكان يحث الناس على فعل الخير وخدمة بعضهم بعضا، ويجعل لبعض ما يبدو ظاهريا على أنه أمر بسيط للغاية من أمور الخير، شأنا دينيا مهما، كمثل قوله: بينما رجل يمشي بطريق، وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له”. (28) وقوله أيضا في الحث على المودة بين الناس: “لا لتحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق”. (29)

وفي كل هذه التوجيهات، كان النبي يقدم المثل الأعلى في تطبيقها والإلتزام بها. كان بشوشا ودودا، صديقا للفقراء والمساكين. وكان حادبا جدا على اليتامى والأرامل، يقول لأصحابه أنه رفيق لكافل اليتيم في الجنة، ويحثهم على الإنفاق على الأرامل والمساكين، ويعتبر ذلك من أبواب الجهاد في سبيل الله. وكان معينا للناس على حوائجهم، يربي أمته بأحسن وسائل التربية، لا يهين ولا يجرح أحدا، ولا يتكبر على أحد. في سفرة من أسفاره مع بعض أصحابه، اتفقوا على طبخ شاة لطعامهم. فقال رجل: عليَّ ذبحها. وقال آخر: عليَّ سلخها. وقال آخر: عليَّ طبخها. فقال صلى الله عليه وسلم: وعليَّ جمع الحطب. فقالوا: نحن نكفيك. فقال: قد علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم. فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه. وقام وجمع الحطب. (30)

وكان إلى هذا كله شجاعا لا يهاب. عاداه طغاة قريش وحاربوه أشرس الحروب فلم يتراجع عن تبليغ رسالته ولم يضعف أمامهم أبدا. وفر أصحابه من حوله يوم حنين فلم يهرب ولم يتراجع شبرا واحدا، وصمد في إباء وهمة عالية فعاد الهاربون من حوله وتحقق النصر الكبير. ومن قبلُ في أحد حين انقلبت الدائرة على المسلمين لم يجزع ولم يخف. ويوم الأحزاب عندما حوصرت المدينة وبلغت القلوب الحناجر، كان هو الركن الشديد الذي يستلهم منه صناديد المسلمين الثقة بالنفس والقدرة على التحمل.

وكان مهابا شديد الإحترام. سأل الحسن بن علي بن أبي طالب أباه عن مجلس رسول الإسلام، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر.. وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه. من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو لميسور من القول. وقد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا له أبناء عنده في الحق سواء. مجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن (تعاب) فيه الحرم.. متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. وقال علي بن أبي طالب عن سيرة النبي مع جلسائه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش ولا عيّاب ولا مزّاح، يتغافل عما لا يشتهي، ولا يوئس منه راجيه ولا يخيب فيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه. إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤسهم الطير، وإذا تكلم سكتوا، وإذا سكت تكلموا. لا يتنازعون عنده الحديث. يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته.. ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز. (31)

وكان نبي الإسلام نظيفا يحب النظافة ويوصي بها ويجعلها من وجوه الإيمان. وكان يحب الطيب، ويبقي فمه الشريف دائما عطرا بالسواك.

وقد اتفق علماء الأدب العربي والمختصون في البلاغة أن نبي الإسلام أوتي جوامع الكلم، يقصدون أنه أوتي القدرة على أن يقول في كلمات قليلة ما يحتاج عامة الناس إلى عرضه في مقالات طويلة، وأحاديثه دالة على هذه الموهبة العجيبة المؤثرة. ومنها في هذا السياق هذه العبارة الموجزة التي جمع فيها قواعد كثيرة من تعاليم الرسالة الإسلامية: “أمرني ربي بتسع: خشية الله في السر والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، وأن أصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأعفو عمن ظلمني، وأن يكون صمتي فكرا، ونطقي ذكرا، ونظري عبرة، وآمر بالمعروف”. (32)

وقد مدح رب السماوات والأرض نبي الإسلام في كتابه الكريم، فقال يخاطبه: “وإنك لعلى خلق عظيم”. (القلم: 4)

هذا إذن فصل موجز مختصر عن أخلاق رسول الله وخاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، وإلا فالأمر يحتاج إلى كتب ومجلدات كثيرة. أما هيئته وصورته، فقد تحدث عنها البراء، وهو من صحابته، فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا مربوعا، بعيد ما بين المنكبين، عظيم الجمة إلى شحمة أذنيه، عليه حلة حمراء، ما رأيت شيئا قط أحسن منه. (33) وقال البراء أيضا: كان رسول الله أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا، ليس بالطويل الذاهب ولا بالقصير. (34) وسئل أبو الطفيل، وكان آخر من مات من أصحاب النبي: أرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، كان أبيض مليح الوجه. (35)

إذا ما تأمل الإنسان المنصف في أخلاق هذا الإنسان النبيل الكريم، ما عرضنا منها هنا وما فاتنا عرضه، فإنه يدرك على وجه اليقين أنه أصدق الخلق وأنه نقل بأمانة عن ربه دستورا لسعادة الناس في الدنيا والآخرة.

اعرض على أهل أي مجتمع في الدنيا، وفي أي عصر من العصور أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم، فسيقرون ان التزموا بالعدل والإنصاف أنه القدوة الحسنة ولا ريب.

هذا الإنسان النبي يمجّد الصدق ويمقت الكذب، يأمر بالبر وينهى عن الفجور، يوصي بالأمانة ويجرم الغش والخيانة، يصون النفس عن المخدرات وكل أنواع الفساد، ويحببها في الخير والكرم ومساعدة المحتاجين.

وهو يرى أن سيد الناس خادمهم، فيتواضع لصغيرهم وكبيرهم، ويقضي حاجاتهم.

إنه يعتبر الإبتسامة صدقة، وإماطة الشوك عن الطريق عبادة، وينهى عن الغيبة والنميمة ويرفض حتى لعن الحيوان.

محمد صلى الله عليه وسلم يجعل الإحسان إلى الجار وحسن معاملته من شرائع الدين، ويجمع بين توحيد الله وبر الوالدين، ويعظم كثيرا من شأن الوالدين وصلة الرحم حرصا منه على وضع أساس قوي متين لعائلة سعيدة مترابطة متكاتفة.

محمد صلى الله عليه وسلم يجعل كفالة اليتيم بابا للجنة، ويجعل رعاية الأرامل جهادا في سبيل الله، ويعتبر النظافة من الإيمان، وهو يتواصل مع الناس بالفكرة والحجة والخلق الرفيع، ولم يعرف عنه أنه ضرب شيئا قط بيده، ولا إمرأة، ولا خادمة.

أقول للقارئ الكريم: قدم هذا النموذج لأهل مجتمع، وستجد أن كثيرا من الناس ربما يبلغ بهم الإعجاب والتقدير والحب إلى حد العبادة. لكن نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم حذر الناس من أن يغالوا فيه، وأمرهم بعبادة الله وحده، وبين لهم الأسلوب الذي يجعل الإنسان العادي في كل زمان ومكان قادرا على الإلتزام بمثل هذا الدستور الأخلاقي السامي في حياته.

إن أخلاق محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم التي مدحها القرآن الكريم مفتاح أساسي في فهم سر انتشار الإسلام في قلوب الناس شرقا وغربا، وفي فهم استمرار انتشاره على مر العصور.

 

 

(1) ـ صحيح مسلم. القاهرة: المطبعة المصرية ومكتبتها، بدون تاريخ. الجزء الرابع عشر. ص 68

(2) ـ المصدر السابق. ص 72

(3) ـ المصدر السابق. ص 71

(4) ـ سعيد حوى: الرسول صلى الله عليه وسلم. القاهرة: مكتبة وهبة، بدون تاريخ. ص 58

(5) ـ المصدر السابق. ص 58

(6) ـ المصدر السابق. ص 69

(7) ـ صحيح مسلم. الجزء الخامس عشر. ص 82-83

(8) ـ سعيد حوى: الرسول صلى الله عليه وسلم. ص 61

(9) ـ الرحيق المختوم. ص 360

(10) ـ صحيح مسلم. الجزء الرابع عشر. ص 26

(11) ـ صحيح مسلم. الجزء الخامس عشر ص 84-85

(12) ـ المصدر السابق. ص 76-77

(13) ـ المصدر السابق. ص 83

(14) ـ المصدر السابق. ص 75

(15) ـ المصدر السابق. ص 78

(16) ـ المصدر السابق. ص 78

(17) ـ صحيح مسلم. الجزء السادس عشر. ص 121-122

(18) ـ صحيح مسلم. الجزء الثاني. ص 20

(19) ـ المصدر السابق. ص 74

(20) ـ المصدر السابق. ص 108

(21) ـ صحيح مسلم. الجزء السادس عشر. ص 132

(22) ـ المصدر السابق. ص 135

(23) ـ المصدر السابق. ص 141

(24) ـ المصدر السابق. ص 150

(25) ـ المصدر السابق. ص 146

(26) ـ المصدر السابق. ص 159

(27) ـ المصدر السابق. ص 167

(28) ـ المصدر السابق. ص 170

(29) ـ المصدر السابق. ص 177

(30) ـ الرحيق المختوم. ص 360

(31) ـ سعيد حوى: الرسول صلى الله عليه وسلم. ص 56-66

(32) ـ المصدر السابق. ص 111

(33) ـ صحيح مسلم. الجزء الخامس عشر. ص 91

(34) ـ المصدر السابق. ص 92

(35) ـ المصدر السابق. ص 93

 

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل السابع عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة عام 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: