الفصل التاسع عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة في 1996

 

عنوان هذا الفصل: مهمة أنجزت بنجاح

 

بعد العودة من حجة الوداع، وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم خبر قتل السلطات الرومانية لوالي معان، في جهة الأردن وفلسطين، فروة بن عمرو الجذامي بسبب دخوله في دين الإسلام.

إنه سلوك عدائي ينم عن استهتار كبير بمبادئ حرية العقيدة وعن استخفاف بالإسلام والمسلمين وإستهتار بمبادئ حقوق الإنسان. وكان جواب النبي صلى الله عليه وسلم تجهيز جيش يتحرك إلى تلك المنطقة لتأكيد قدرة الدولة الإسلامية على الدفاع عن نفسها وعن عقيدتها وعن أنصارها.

اختار النبي صلى الله عليه وسلم لرئاسة الجيش أسامة بن زيد بن حارثة وكان عمره آنذاك دون العشرين بسنتين، الأمر الذي أثار استغراب قلة من الناس في المدينة، ممن لم يستوعبوا بعد أن الدين لكل الفئات الإجتماعية، وأن العمل العام ليس حكرا على الكهول والشيوخ فقط، وإنما للشباب فيه أيضا دور كبير.

بدأ الناس يتجهزون للخروج في جيش أسامة بن زيد في الأيام الأخيرة من صفر، الشهر الثاني من العام الهجري الحادي عشر، الموافق للعام الثاني والثلاثين بعد ستمائة عام من ميلاد السيد المسيح عليه السلام. لكن الخبر الأهم الذي شغل المدينة كلها في تلك الأيام كان خبر الوعكة الصحية التي ألمت بالنبي صلى الله عليه وسلم.

كان أبو مويهبة من العاملين في بيت النبي صلى الله عليه وسلم. ناداه النبي صلى الله عليه وسلم في الليلة الأخيرة من الشهر أو الليلة التي قبلها ودعاه إلى الخروج معه لزيارة مقبرة البقيع والدعاء لمن دفن فيها من موتى المسلمين.

في المقبرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمرافقه: يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة. فقال أبو مويهبة: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها ثم الجنة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا والله يا أبا مويهبة. لقد اخترت لقاء ربي والجنة. ثم استغفر للموتى وانصرف إلى بيته. (1)

أصبح الصبح على النبي صلى الله عليه وسلم وقد ألم به صداع شديد في رأسه وارتفعت حرارة جسمه. فاستأذن من أهل بيته أن يعالج في بيت زوجته أم المؤمنين السيدة عائشة بنت أبي بكر الصديق. كان عليه الصلاة والسلام يحب عائشة، وقد قضى أيامه الأخيرة في هذه الدنيا في بيتها، وهي نقلت عنه عددا كبيرا من أحاديثه الشريفة.

ودخل ربيع الأول من العام الحادي العشر للهجرة، وحرارة النبي صلى الله عليه وسلم تزداد ومرضه لا يخف.

خطب النبي صلى الله عليه وسلم في يوم من تلك الأيام في المسجد فقال: ” إن عبدا من عباد الله خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله”. (2) فما فهم الناس مغزى كلامه إلا أبو بكر الصديق قرأ فيها نعي النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه، فبكى وقال: نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا. فهدأ النبي صلى الله عليه وسلم من روعه قائلا: على رسلك يا أبا بكر. ثم قال: “انظروا هذه الأبواب اللافظة (النافذة) في المسجد فسدوها إلا بيت أبي بكر، فإني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه”. وقال أيضا: “فإني لو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع الله بيننا عنده”. (3)

وحث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على إنفاذ جيش أسامة بن زيد فأسرعوا في إعداد أنفسهم، ثم خرج الجيش، وعسكر غير بعيد من المدينة المنورة وبقي منتظرا هناك، بعد أن وصله خبر اشتداد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وأوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالأنصار خيرا وحث المهاجرين على الإحسان إليهم تقديرا لدورهم النبيل والعظيم في نصرة الإسلام ونبيه عليه االصلاة والسلام.

وعندما اشتد الوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم ولم يعد قادرا على الخروج إلى المسجد وإمامة المؤمنين في الصلاة أمر أبا بكر الصديق بأن يصلي بهم. (4) ولم تكن عائشة أم المؤمنين مسرورة بأن يقوم أبوها مقام النبي صلى الله عليه وسلم بين الناس في إمامة الصلاة، فقالت: لقد راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر. (5)

وفي فجر الإثنين 12 ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة، أحس النبي صلى الله عليه وسلم بتحسن صحته، فخرج إلى المسجد عاصبا رأسه وأبو بكر يصلي بالناس. ولما عرفه المسلمون أفسحوا له المجال، فعرف أبو بكر أنهم ما فعلوا ذلك إلا لنبيهم، فتراجع عن موقع الإمامة يريد أن يتركه للنبي. لكن النبي صلى الله عليه وسلم دفعه في ظهره وأمره أن يصلي بالناس، وصلى هو قاعدا عن يمينه. فلما فرغوا من الصلاة تكلم النبي صلى الله عليه وسلم في الحاضرين بصوت قوي كان يسمع من خارج المسجد، وقال لهم: “إني لم أحل إلا ما أحل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن”. (6)

هناك في صحيح البخاري رواية لعبد الله بن عباس عن مناقشة جرت في بيت النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذه الخطبة من النبي بأربعة أيام. قال: “لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هلموا أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده. فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن. حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت واختصموا، منهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والإختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا”. (7)

ذهب علماء بعض الفرق الإسلامية إلى أن تلك الوصية التي رغب النبي في كتابتها تتعلق بالحكم والخلافة من بعده. ولكن المنطق يفرض نفسه على كل منصف: لقد كان بوسع النبي صلى الله عليه وسلم أن يوجه بأمر فينقله الناس عنه كما نقلوا أوامره الأخرى وتلقوها بالسمع والطاعة.

كان بوسعه عليه الصلاة والسلام أن يبت في أمر الحكم من بعده أثناء حجة الوداع، أو في أي مرحلة من مراحل حياته بعد نزول الوحي إليه. وكان بوسعه أن يدعو من شاء من أعيان الصحابة ويوجههم بما يريد. وكان متاحا أيضا أن ينزل في الأمر وحي يتلى إلى يوم القيامة.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى مع المسلمين فجر الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول، وتحدث فيهم رافعا صوته حتى خرج صوته من باب المسجد كما يروي ابن اسحاق المشايع لسيدنا علي رضي الله عنه، فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم ينوي إخبار المسلمين بشيء من أمور الحكم بعده، أو استخلاف أي صحابي من بعده،  لكان بوسعه أن يحدث بها الناس في مسجده، ولقالوا له: سمعنا وأطعنا، كما فعلوا طيلة صحبتهم له. لكنه لم يفعل.

قال ابن اسحاق معلقا على اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وتفضيله له على عمر، كي يصلي بالناس عندما اشتد به المرض:

“حدثني محمد بن ابراهيم بن الحارث، عن القاسم بن محمد، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين سمع تكبير عمر في الصلاة: اين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون. فلولا مقالة قالها عمر عند وفاته لم يشك المسلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف أبا بكر، ولكنه (أي عمر) قال عند وفاته: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني وإن أتركهم فقد تركهم من هو خير مني، فعرف الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستخلف أحدا، وكان عمر غير متهم على أبي بكر”. (8)

وعلى كل حال، فإن الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم صباح يوم الإثنين لم يكونوا يفكرون في أمر الخلافة وإنما كانوا فرحين مستبشرين بما رأوه من دلائل تعافي النبي صلى الله عليه وسلم من مرضه. كانوا يريدونه أن يبقى معهم، يهديهم إلى البر ويقودهم إلى الخير، ولم يكونوا منشغلين بمن يحكمهم بعده.

فرح المسلمون بتحسن صحة نبيهم صلى الله عليه وسلم وظنوا أنه تعافى من مرضه، حتى أن أبا بكر الصديق قال له: يا نبي الله، إني أراك قد أصبحت بنعمة من الله وفضل كما تحب، واليوم يوم بنت خارجة (إحدى زوجاته)، أفآتيها. قال: “نعم”. ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج أبو بكر إلى أهله بالسنح. (9)

إن تسلسل الأحداث في الأيام الأخيرة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم يقود الباحث إلى رد ما يزعمه البعض بأن ما جرى يوم الخميس، قبل أربعة أيام من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، كان المراد منه حسن أمر الحكم والخلافة من بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

ها هو النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر مع أصحابه في المسجد فجر الإثنين ويعظهم ويخطب فيهم بصوت قوي يسمع خارج المسجد. فهل كان بوسع أحد أن يمنعه من أن يقول لهم قولا في أمر الحكم من بعده؟ الجواب المباشر أنه لا أحد يمنعه. ولكنه لم يكن يريد أن يستخلف أحدا.

عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هو من روى قصة ما جرى يوم الخميس، والإمام البخاري أورد الرواية في صحيحه. وفي صحيح البخاري أيضا وردت رواية أخرى عن عبد الله بن عباس تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعين خليفة يحكم المسلمين من بعده.

قال عبد الله بن عباس: إن علي بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا حسن، كيف أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئا. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله صلى الله عليه وسلم سوف يتوفى من وجعه هذا. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلنسأله في من هذا الأمر: إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعناها، لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم. (10)

ولا شك أن رأي علي بن أبي طالب هنا كان أصوب من رأي عمه العباس، وهذا ليس غريبا عن زعيم كبير من زعماء الإسلام، ورابع الخلفاء الراشدين. فطلب وراثة السلطة السياسية من النبي صلى الله عليه وسلم قد يجعلها شأنا دينيا مقدسا إن صدر الترشيح لصالح أي إنسان، وقد يمنعه عنه تماما إذا صدر توجيه نبوي كريم بذلك. وقبل هذا وبعده، فعدم تعيين حاكم للمسلمين بعد النبي صلى الله عليه وسلم أقرب لهدي الإسلام الذي يجعل أولي الأمر (أي الحكام) من المسلمين، والذي يوصي بالشورى كما يوصي بالصلاة والزكاة.

أما ما أصاب فيه العباس بن عبد المطلب فهو تشخيصه للحالة الصحية للنبي صلى الله عليه وسلم. إن ما ظنه أبو بكر وكثير معافاة تامة من المرض كان ظنا في غير محله. وما قاله علي عن أن النبي أصبح بحمد الله بارئا كان تقديرا في غير محله أيضا.

ذلك أنه لما اشتد الضحى من يوم الإثنين الثاني عشر من ربيع الأول من العام الحادي عشر للهجرة اشتد المرض مجددا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

وقد دعا ابنته فاطمة فحدثها بما أبكاها وما سرها. قالت: سارني النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت. ثم سارني فأخبرني أنني أول أهله يتبعه فضحكت. (11)

ثم جاء الحفيدان الكريمان، الحسن والحسين ابني علي من فاطمة الزهراء فقبلهما وأوصى بهما خيرا، ودعا أزواجه فوعظهن وذكرهن. (12)

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم جزعا من الموت حتى عندما بدا واضحا لكل من حوله أنه يحتضر. كان جنبه إناء ماء، فكان يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه ويقول: “لا إله إلا الله. إن للموت سكرات”. (13)

وقالت فاطمة الزهراء، الإبنة الصالحة العطوفة، وقد تقطع قلبها على أكرم الناس، على أبيها: “واكرب أباه. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم”. (14)

وكان يقول أيضا في تلك اللحظات: اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. (15)

كان النبي صلى الله عليه وسلم مستندا إلى صدر زوجته عائشة في لحظاته الأخيرة في هذه الدنيا. قالت عائشة: دخل عليَّ رجل من آل أبي بكر وفي يده سواك أخضر. فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه في يده، فعرفت أنه يريده. فقلت: يا رسول الله، أتحب أن أعطيك هذا السواك؟ قال: نعم. فأخذته فمضغته له حتى لينته، ثم أعطيته إياه. فاستن به كأشد ما رأيته يستن بسواك قط ثم وضعه. ووجدت رسول الله يثقل في حجري، فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص، وهو يقول: بل الرفيق الأعلى من الجنة. فقلت: خيّرت فاخترت والذي بعثك بالحق. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم. (16)

والرفيق الأعلى في هذا السياق عبارة مستوحاة من آية قرآنية كريمة قالت عائشة أم المؤمنين أن النبي ذكرها في مرض وفاته: “ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا”. (17)

هكذا مات نبي الإسلام وخاتم الأنبياء والمرسلين وإمامهم وأكرم الخلق عند الله.

مات ولم يترك خلفه دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. (18)

مات أقوى زعماء الجزيرة العربية وأكثرهم نفوذا وسلطانا وموارد، ودرعه مرهونة عند شخص يهودي بثلاثين صاعا من شعير. (19)

أين منه سائر الزعماء؟!

أين منه سائر القادة والعظماء؟!

عرضت عليه الدنيا كلها من أول أن نزل عليه الوحي وأبلغ الدنيا رسالة التوحيد والإيمان بالله الواحد الأحد، وعرض عليه الجاه والمال والسلطان، فلم تغره العروض ولم يحد أبدا عن طريقه ولا عن رسالته.

حاربه طغاة قريش سنوات طويلة فلم يجزع ولم يخف ولم يتراجع عن جهاده من أجل الحرية والعدالة وكرامة الإنسان.

انتصر على ألد خصومه فأكرمهم وقال لهم: اذهبوا فأنتم الطلقاء.

دانت له الجزيرة العربية فلم ينخدع بمظاهر الدنيا الزائفة أبدا، وبقي طول عمره صديقا للفقراء واليتامى والمساكين، متواضعا للناس أجمعين.

نزل عليه الوحي في الأربعين من عمره، وظلمات الشرك والطغيان والإستبداد تسود وجه العالم. ومات في الثالثة والستين بعد أن غير وجه الدنيا وتاريخ العالم كله: دحض الشرك، وانتصر انتصارا عظيما لمبادئ التوحيد والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان ومكارم الأخلاق، وبين للناس جميعا أهمية الدين في حياة الإنسان، وبأن اليوم الآخر حق، وبأن الإنسان يملك حريته بأمر الله، وأنه مكرم من قبل خالقه، ومحاسب على أفعاله أمام الله الحكم العدل.

فتح عينيه على الدنيا وتراث الأنبياء الكرام من قبله قد تراكم عليه الغبار، وشعوب كثيرة تجهله تماما، أو تتجاهله. ومات بعد أن أعاد هذا التراث إلى قلب الحركة العقائدية والسياسية والفكرية والإجتماعية في العالم، فإذا تعاليم إبراهيم وموسى وعيسى وإخوانهم من الأنبياء والمرسلين هي الأساس الصلب للرسالة السماوية الخاتمة التي بعث بها محمد صلى الله عليه وسلم، وإذا تعاليم الأنبياء جميعا من نوح إلى محمد عليهم الصلاة والسلام تتكامل تحت عنوان واحد هو الإسلام. رسالة واحدة، هي الإسلام، ومصدرها واحد: الله عز وجل رب إبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم السلام ورب الناس أجمعين.

مات إمام الأنبياء وخاتمهم. مات زعيم الزعماء. مات قائد القادة. مات أتقى خلق الله لله. فاهتزت المدينة المنورة على وقع الخبر المحزن الأليم، وأظلمت الدنيا في عيون أهلها.

نادت فاطمة الزهراء بنت خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام حزينة باكية: يا أبتاه، أجاب ربا دعاه. يا أبتاه، مَـن جنة الفردوس مأواه. يا أبتاه إلى جبريل ننعاه. (20)

بلغ الخبر إلى أبي بكر الصديق فجاء مسرعا من مسكنه في السنح ودخل على ابنته عائشة، فوجد النبي مسجى في بيتها وهو مغشى ببرد حبرة. كشف أبو بكر عن وجه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وأكب عليه وقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي. والله لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة الأولى التي كتبت عليك فقد متها، ثم لن تصيبك بعدها موتة أبدا. (21)

ودخل أبو بكر المسجد فوجد الناس في حالة ذهول واضطراب، وعمر بن الخطاب قد عصف به هول الصدمة، فإذا هو يحدث المسلمين بأن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب النبي موسى بن عمران، عندما غاب عن قومه أربعين ليلة ثم عاد إليهم من بعد أن ظنوه مات. وتوعد عمر القائلين بوفاة نبي الإسلام بأنه سيرجع كما رجع موسى، فيقطع أيدي وأرجل رجال زعموا أنه مات.

طلب أبو بكر من عمر أن يصمت وينصت لما سيقول، لكنه لم يستجب. فانطلق يتحدث في الناس، فلما رأوه يخاطبهم أقبلوا إليه وتركوا عمر. بدأ أبو بكر حديثه بحمد الله والثناء عليه ثم قال: أيها الناس، إنه من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. ثم قرأ من القرآن الكريم قول الله تعالى: “وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل. أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم؟ ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا. وسيجزي الله الشاكرين”. (آل عمران: 144)

أخرج البخاري في صحيحه عن الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عباس رواية عن تفاصيل هذا الموقف في المسجد النبوي وفيها هذه العبارة: “والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما اسمع بشرا بشرا من الناس إلا يتلوها”. (22)

آب الناس إلى رشدهم عندما تحدث إليهم صاحب رسول الله في الغار وفي رحلة الهجرة، وإمام الناس في صلواتهم يوم اشتد المرض بالنبي. قال عمر بن الخطاب: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت، (تسمرت من الدهشة) حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات. (23)

مات النبي صلى الله عليه وسلم ودفن يوم الثلاثاء في حجرته التي توفي فيها، في مكان فراشه الذي توفي عليه، بعد أن صلى عليه المسلمون أفواجا أفواجا. وقبره اليوم مشهود معروف في زاوية من زوايا المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة، إلى يسار المحراب.

مات النبي صلى الله عليه وسلم، لكن رسالته لم تمت. ودولته التي أسسها لم تسقط. فقد اجتمع صحابته على عجل في سقيفة لبني ساعدة، وجرى بينهم حوار حول أفضل الشخصيات المؤهلة لقيادة الدولة في المرحلة الجديدة، واقترح أبو بكر على الناس مبايعة عمر بن الخطاب أو أبي عبيدة عامر بن الجراح. لكن البيعة تمت لأبي بكر الصديق، بدأ بها عمر فلحق به الآخرون من المهاجرين والأنصار. واتحدت الأمة من حوله، وألزم الحاكم الجديد نفسه بقيم الإسلام، قائلا للناس:

“إني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله”.

وبين أبو بكر للناس أن سلطته ستكون مدنية وخاضعة للشريعة، ولن تكون حكما دينيا متحررا من المساءلة والمراقبة، وقال: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم. (24)

كانت تلك المعاني في خطبة أبي بكر تعبيرا أمينا عن معاني الحكم الصالح الرشيد في الإسلام، وكانت أيضا ثورة مدوية في العالم من حول المدينة المنورة.

مَـن مِـن أباطرة ذلك الزمان وطغاته يقبل من مواطنيه أن يحاسبوه، ويقوموه، ويكفوا عن طاعته إذا خالف العهود والقوانين المنظمة لعمل الدولة؟ مَـن مِـن حكام ذلك الزمان يقول للناس إنه ليس أفضلهم؟

إن تلك المعاني التحررية المستندة إلى عقيدة الإسلام وشرائعه، سرعان ما انتشرت خارج الجزيرة العربية، وتغلبت على ما واجهها من صعوبات ومؤامرات واعتداءات، فاستوطنت قلوب الملايين من بني البشر في الشرق والغرب، وفي الشمال والجنوب. واعتنقها الملايين بعد ذلك جيلا من بعد جيل، في كل مكان من الكرة الأرضية، ومازالوا يفعلون.

حتى عندما ضعفت الدولة الإسلامية قديما أو حديثا، وعندما انقسمت أو خضعت للإحتلال الأجنبي، فإن العقيدة والتعاليم الإسلامية حافظت على نقائها وجاذبيتها في كل الأحوال.

ذلك أنها رسالة الله لخلقه.

وأن من بلغها للناس هو الصادق الأمين الذي تمثلت فيه أجمل الأخلاق وأحسنها.

وأن صحابته الذين أيدوه وناصروه كانوا جيلا فذا عظيما نادر المثال في التاريخ، قدموا المثال في سلوكهم وأخلاقهم على عظمة الرسالة الإسلامية ونبلها، فانتشر الإسلام بأخلاقهم، وانتصر الإيمان بتضحياتهم، وأحبهم الناس في كل مكان، ورحبوا بما بشروا به من مبادئ التوحيد والعدل والحرية والكرامة وحقوق الإنسان.

وقد ورثت الأمانة بعد ذلك أجيال كثيرة، أجاد بعضها وتفوق، وقصر بعضها وتهاون. لكن التقصير والتهاون وإن ألحقا الضرر بالمقصرين، فإن تأثيرهما على الرسالة نفسها قليل لأن معدنها وجوهرها من عند الله عز وجل خالق الأكوان كلها ورب الناس كافة وجميع الخلائق.

رسالة كالمصباح المنير المتوهج المتألق في دياجير الليل. حتى عندما يغطي السحاب القمر والنجوم، وتشتد الظلمة من حوله، يزداد هو نورا وتوهجا وتألقا.

انظر من حولك حيثما كنت تقرأ هذا الكتاب: إن عينيك لن تخطآ هذا النور أبدا، في نفسك، أو في مكان قريب منك جدا وغير بعيد.

فإذا فعلت وانشرح صدرك، فصلّ على من اختاره الله لحمل رسالة الإيمان والهدى والنور والعدالة والحرية.

صل على محمد بن عبد الله، خاتم الأنبياء والمرسلين.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

 

 

 (1) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 213

(2) ـ المصدر السابق. ص 219

(3) ـ المصدر السابق. ص 219

(4) ـ المصدر السابق.  ص 221

(5) ـ صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 93

(6) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 222

(7) ـ صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 91

(8) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 222

(9) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 222

(10) ـ صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 93

(11) ـ المصدر السابق. ص 92

(12) ـ الرحيق المختوم. ص 347

(13) ـ صحيحي البخاري. الجزء الثالث. ص 94

(14) ـ المصدر السابق. ص 95

(15) ـ المصدر السابق. ص 92

(16) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 223

(17) ـ القرآن الكريم. سورة النساء: 69

(18) ـ من رواية عمرو بن الحارث في صحيحي البخاري. الجزء الثالث. ص 95

(19) ـ من رواية عائشة أم المؤمنين في صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 96

(20) ـ صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 95

(21) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 234

(22) ـ صحيح البخاري. الجزء الثالث. ص 95

(23) ـ سيرة ابن هشام. الجزء الرابع. ص 224

(24) ـ المصدر السابق. ص 228

Mohamed Elhachmi Hamdi (Ph.D), SOAS graduate (University of London), Leader of Tayyar Al Mahabba Party in Tunisia and fourth placed presidential candidate in the 2014 elections; author of “the Politicisation of Islam” (Colorado: Westview Press, 1988); “The Making of an Islamic Political Leader” (Colorado: Westview Press, 1988); “Muhammad for the Global Village” (Riyadh: Maktaba Dar-us-Salam, 2008). Email: info@alhachimi.org

0 comments on “الفصل التاسع عشر من كتاب الدكتور محمد الهاشمي الحامدي: السيرة النبوية للقرية العالمية ـ طبع أول مرة في 1996

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: